بناء الجسور بين الاسلام والحداث

بناء الجسور بين الاسلام والحداث

فتح الله كُولَنْ مؤسس حركة تعليم إسلامية منتشرة عبر أرجاء العالم، يرى في الأخلاق والمعرفة محركا لإرساء إسلام حديث يتلاءم و...

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

واشنطن (جيهان) ـ احتل العالم والمفكر الإسلامي الأستاذ فتح الله كولَن الصدارة في قائمة "أهم مائة مثقف معاصر في العالم" ...

عشرون مفكراً في ذروة العالم

عشرون مفكراً في ذروة العالم

القيام بالترتيب عملية خطرة بطبيعتها. سواء أكان هذا الترتيب في سلسلة في حق البلدان أو المدن أو الجامعات، أو في حق أي سلسلة أخ...

وخاتم المنبئين عن الغيب

وخاتم المنبئين عن الغيب

القول الفصل الأخير حول حقيقة "الله والكون والإنسان" هو لحضرة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو شجرة الوجود، والعلة الغائ...

مدارس ودروس من

مدارس ودروس من "ديتون" الأمركية إلى "أبنت" التركية

قالوا قديماً إن في السفر فوائد كثيرة تظهر في جوانب مختلفة من حياة المسافر، منها زيادة رزقه، واتساع علمه، وتقوية صحة جسمه، و...

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

فتح الله كولن، مقدمة كتاب "آثار الرسول في جناح الأمانات المقدسة في قصر طوب قابي بإسطنبول"

الصفحة الرئيسية
الحـزن طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

الحزن، مشتق من الحَزَنْ باللغة العربية، ويعني: الغم، الكدر، الغصة. ويستعمل الصوفيون هذه الكلمة ضد الفرح والابتهاج والسرور، ويصح أن نقول إنه همّ ذو بُعدٍ مشوب بالشعور بالمسؤولية، والتفكر في أمور الدعوة، وأسىً في السعي لبلوغ الغاية. نعم، إن من كان كامل الإيمان -حسب درجته- إنما يتحرك ويسكن بالحزن، لحين تطلق الروح المحمدية الندية أجنحتها في أرجاء المعمورة، وتهدأ آهات المسلمين وزفراتهم، ويصبح القرآن الكريم حياةً للحياة كلها. وفي حدود الإنسان؛ لحين مروره من حفرة القبر بأمان، واجتيازه عقبات البرزخ واحدة تلو الأخرى بسلام، من دون عائق في الحساب والميزان، حتى يتمكن من التحليق إلى الروح والريحان وميدان طيران الأرواح... فينسج بالحزن حياته على خيوط الزمان، بل يحشره حتى بين دقائق نشوته وحبوره. والخلاصة: أنه يجعل الحزن ملح حياته، فيشعر به في ثواني حياته بل في ثوالثها وعاشراتها، ويستمر بهذا الانكسار المقدس إلى أن يبلغ الحقيقة المبشّرة في قولـه تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَـزَنَ إِنَّ رَبَّنـا لَغَفُورٌ شَـكُورٌ) (فاطر:34).

الحزن ينبع من إدراك الإنسان لإنسانيته، وكلما كان في مستوى هذا الشعور يترشح الحزن في بصره وفي بصيرته. وفي الحقيقة إن فاعلية مثل هذا الحزن ضرورية جداً من حيث دوام توجّه الفرد إلى الله سبحانه، والاحتماء بحمايته كلما استشعر بما يثير لديه الحزن، والالتجاء إليه كلما عجز عن شيء لا يقدر عليه، فيستغيث: النجاة... النجاة.

ومن جهة أخرى، فإن المؤمن الذي عمره قصير، وقدرته قليلة، ومطالبه باهظة، ومضطر أن يجعل الواحد ألفاً.. إذا غدا الحزن بُعداً ورفيقاً للأمراض التي تتعرض له، وللعوائق والضائقات التي تعرقل سيره، وللمصائب والنوائب التي تصيبه.. تتحول هذه كلها إلى إكسير عجيب يُذهب الذنوب ويمحو الخطايا. حتى يستطيع الإنسان أن يجعل بهذه الوسيلة الشيء المؤقت أبدياً، والقطرة بحراً، والذرة شمساً. نعم، يصحّ أن نقول إن عمراً يمضي هكذا في ألوان من الحزن هو عمر نبوي مبارك. وكم هو ذو مغزى عميق -من هذه الزاوية- إطلاق اسم "نبي الحزن" على فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم -أرواحنا فداه- الذي كان متواصل الحزن دائم الفكر، قضى حياته كلها بدقائقها و ثوانيها بتلونات الحزن.[1]

الحزن حِمىً، يحُول دون تشتت جهاز قلب الإنسان وعالم مشاعره في وديان الغفلة، وسورٌ يحفظ الارتباط الوثيق بالحق تعالى، وبهذا يكون الحزن طريقاً لا مناص منه إلى التركيز، بحيث إن السالك الحزين، بفضل التوجّه الاضطراري هذا، يمكنه أن ينال من المراتب في الحياة القلبية والروحية وفي أقصر وقت، ما يعجز عنه الآخرون في "خلوة الأربعين" مهما تكررت.

إن الله سبحانه لا ينظر إلى الصوَر ولا إلى الأجسام وإنما ينظر إلى القلوب، ومن القلوب ينظر إلى القلوب الحزينة المكدرة المنكسرة، فيشرّفها بمعيته، كما يذكّرنا به الحديث القدسي: (أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم).[2]

قال سفيان بن عينية: (لو أن محزوناً بكى في أمةٍ، لَرحم الله تلك الأمة ببكائه)[3] لأن الحزن يترعرع وينبت في جوانب الإخلاص والجدية من القلب، فلا طور بين الأطوار كالحزن، يقرّب الإنسان إلى الله ويكفّه عن باب الفخر والرياء والسمعة.

إن لكل شيء زكاته، وزكاة الشيء تطهّره وتصفّيه مما يكدره. فالحزن زكاة الدماغ والوجدان، وله بالغ التأثير في صفائهما وفي بقائهما زكيين طاهرين.

وقد جاء في التوراة: (إذا أحب الله عبداً جعل في قلبه نائحة، وإذا أبغض عبداً جعل في قلبه مزماراً).[4]

وقال بشر بن الحارث الحافي: (الحزن مَلِِِك، فإذا ما سكن في موضع لم يرض أن يساكنه أحد).[5] وكما إن لم يكن في بلد سلطان أو حاكم خرب، ودبّت فيه الفوضى، كذلك إن لم يكن في القلب حزنٌ وهمٌّ خرب وتبعثر. أليس حال مَن هو أتم القلوب عمراناً كان حزناً دائماً وتفكراً مستمراً ؟

لقد اجتاز سيدنا يعقوب عليه السلام الجبال والقفار التي بينه وبين يوسف عليه السلام بأجنحة الحزن، حتى بلغ أجواء تأويل الرؤيا العذبة. وبهذا عُدّ أنينُ فؤاد مليء بالحزن والأسى عِِدلاً لأوراد العبّاد وأذكارهم، وتقوى الزهاد وورعهم.

فلئن كانت الهموم والأحزان النابعة من تقلبات دنيوية -فيما خلا من المعاصي والآثام- كفّارة للذنوب، كما بشّر به الصادق المصدوق عليه السلام.[6] فكيف إن كانت ذات بُعد أخروي وفي سبيل الله؟

هناك حزن ناشئ عن ملاحظة نقائص الإنسان في عباداته وطاعاته وخشية تقصيره في عبوديته لله، وهذا هو حزن العوام.. وحزن آخر نابع من ميل القلب ومحبته لما سواه تعالى وتعثر المشاعر في التوجه إليه، وهذا حزن الخواص... وهناك حزن آخر هو أن إحدى قدمي المحزون في عالم الناسوت والأخرى في عالم اللاهوت، فيسعى بقلب يقدّر كلاًّ من العالَمَين حق القدر فيوفي حقّ الموازنة بينهما معاً مراعياً التمكين. وحتى في سعيه هذا تنتابه الخشية هل أنه أفسد الموازنة أم لا؟ فيئن أنيناً حزيناً ويطلق الحسرات.. وهذا هو حزن الأصفياء.

إن أول نبي، وهو أبو البشر، وأبو النبوة، كان أباً للحزن أيضاً. فما أن انتبه للحياة حتى فتح عينيه للحزن، حزن الضعف في عزمه مع ما في ميزان النبوة من تمكين، حزن الجنة المفقودة، حزن الوصال الذي ضاع، حزن الفراق الذي تعرّض له. فلقد أنّ طوال حياته أنيناً موجعاً على هذه الأحزان.

سيدنا نوح عليه السلام، وجد نفسه في معصرة الحزن بمجرد تقلّده مهمة النبوة. وإن موجات الحزن التي كانت تموج وتعلو في صدره تعدل موجات المحيطات العالية... وإذا في يوم من الأيام فجّر منبع حزنه الأرضَ والمحيطات إلى ذرى الجبال، وخيّمت على الأرض ظلمات الحزن. وإذا به يصبح نبي الطوفان.

وسيدنا إبراهيم السلام كأنه قد صُمم للحزن، حزن المجادلة العنيفة مع النماردة، حزن التجول في أروقة النار، حزن ترك الأهل والأولاد في واد غير ذي زرع، حزن الأمر بذبح الولد.. وأمثالها من سلسلة الأحزان ذات الأبعاد الملكوتية المخالفة لقياس العقل.

سيدنا موسى، سيدنا داود، سيدنا سليمان، سيدنا زكريا، سيدنا يحيى، سيدنا المسيح عليهم السلام تعرفوا على الحياة سلسلة أحزان وحسرات، وعاشوها هكذا... ولا سيما سيد الأنبياء والمرسلين نبي الحزن صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه....

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).

وصلّ وسلّم على سيدنا محمد الرؤوف الرحيم وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] انظر: المعجم الكبير للطبراني 22/156، شعب الإيمان للبيهقي 2/155. لتعلم كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم دائم الحزن.
[2] كتاب الزهد للبيهقي 2/162؛ كتاب الزهد لابن أبي عاصم 1/75. كشف الخفاء للعجلوني 1/234.
[3] الرسالة للقشيري 231.
[4] الرسالة للقشيري 230.
[5] الرسالة للقشيري 230.
[6] انظر: البخاري، المرضى 1؛ مسلم، البر 52، المسند للامام أحمد 6/157.

 
< السابق   التالى >

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

الشهر الماثل بالمغفرة

إن كان هناك شهر لا تنتهي نشوته، ولا تنفد بهجته، ولا يبلى الوجد عنده فهو شهر رمضان. إن أيام شهر رمضان ولياليها التي تقدّم لنا بأعذب لغة لُباب وجوهر جميع المواسم والشهور العطرة للسنة وروحها ومعناها الحقيقي، وما يترشح منها من عصارة...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

القرآن

هو أكثر منابع النور بركة في الوجود، وأسحر كلام وأكثره نفاذا إلى القلوب. كل أنواع الجمال الأخاذ الموجودة على سطح ‏الأرض ظل لنوره الموجه نحو الوجود، وأكثر الأصوات والنغمات سحراً ليس إلا سلما واحدا أو نغمة واحدة من تلك الأنغام ‏والأصوات ...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

أوان الرجوع إلى النفس

بينما كنا نسير نحو مستقبل مفعم بالنور بقلوب ملؤها الأمل إذا بنا نسمع أصواتا كريهة ترتفع من اليسار ومن اليمين تدعو إلى ‏عهد مظلم من جديد. سمعنا هذه الأصوات النشاز فقلقنا، "أبدأنا نرجع إلى أيام التناحر والشقاق؟" كم كنا معجبين بهم عندما كنا ‏نسمع منهم هذه ...التفاصيل

الحساسية التي أبداها الصحابة في اتباع السنة

وقد انقضت كل دقيقة بل كل ثانية بل كل عاشرة من حياتهم في مثل هذه الحساسية والتسليم. وما كان بوسع أحد من ‏الذين جاءوا بعدهم من الذين قضوا حياتهم ضمن هذه الحساسية والتسليم إلا إبداء كل الاهتمام بالسنة النبوية....

التفاصيل...

العصمة والأنبياء الآخرون

أولاً: إذا اختار أي نبي الشيء الحسن مع وجود الأحسن فهذا يعد زلة بالنسبة إليه، ولكن هذا لا يعد في مقاييسنا خطأ ولا زلة، لأن ما اختاره كان حسناً، غير أن النبي عليه أن يختار الأحسن، لأنه من المقربين. لنضرب مثالاً يقرب الموضوع إلى الأذهان:

التفاصيل...
Fethullah Gülen Web Siteleri