بناء الجسور بين الاسلام والحداث

بناء الجسور بين الاسلام والحداث

فتح الله كُولَنْ مؤسس حركة تعليم إسلامية منتشرة عبر أرجاء العالم، يرى في الأ...

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

واشنطن (جيهان) ـ احتل العالم والمفكر الإسلامي الأستاذ فتح الله كولَن الصدارة ...

عشرون مفكراً في ذروة العالم

عشرون مفكراً في ذروة العالم

القيام بالترتيب عملية خطرة بطبيعتها. سواء أكان هذا الترتيب في سلسلة في حق الب...

وخاتم المنبئين عن الغيب

وخاتم المنبئين عن الغيب

القول الفصل الأخير حول حقيقة "الله والكون والإنسان" هو لحضرة محمد صلى ال...

مدارس ودروس من

مدارس ودروس من "ديتون" الأمركية إلى "أبنت" التركية

قالوا قديماً إن في السفر فوائد كثيرة تظهر في جوانب مختلفة من حياة المسافر، من...

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

فتح الله كولن، مقدمة كتاب "آثار الرسول في جناح الأمانات المقدسة في قصر طوب ...

الصفحة الرئيسية
التفكر طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 7
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

التفكر في أي موضوع من المواضيع، يعني إعمال الفكر إعمالاً واسعاً وعميقاً ومنظّماً. ولدى أربابه هو زناد القلب، وغذاء الروح، وروح المعرفة، ودم الحياة الإسلامية وروحها وضياؤها. فإن انعدم التفكر أظلم القلب، واضطربت الروح، وتحولت الحياة الإسلامية إلى موات هامد.

التفكر هو نورٌ في القلب، وأيّ نور، به يميّز الخير عن الشر والنفع عن الضر والحسن عن القبح، وبه تتحول الكائنات إلى كتاب يُقرأ، وبه تكسب كل آية جليلة عمقاً خاصاً بها.

التفكر مصباح يضيء الحوادث، للاعتبار واستنباط النتائج المتنوعة منها.. وهو مفتاح ذهبي للتجارب.. ومشتل لأشجار الحقيقة.. وبؤبؤ نور القلب. ولأجل هذا فالإنسان الأُفق صلى الله عليه وسلم الذي تسنّم الذرى في كل شيء حسن جميل، استولى في التفكر على الذروة بقوله: (تَفكَّروا في آلاء الله ولا تَفكَّروا في ذاتِه، فإنّكُم لَن تَقْدروا)[1] إذ وضّح لنا حدود ميدان ما يمكن أن نفكر فيه، مذكّراً بقوتنا وإمكاناتنا وقدراتنا.

وكم هو جميل ما قاله "صاحب المنهاج" تذكيراً لنا بهذا المعنى:

دَر آلاء فِكر كَردن شَرطِ راهست

وَلى دَر ذاتِ حَق مَحضِ گُناهست

بُوَد دَر ذَاتِ حَق اَندِيشه بَاطِل

مُحالِ مَحِض دان تَحصيلِ حَاصل[2]

أي: إن التفكر في النعم هو شرط هذا الطريق، ولكن التفكر في ذاته تعالى إثم مبين. نعم، إن التفكر في ذاته تعالى باطل بيّن، فاعلم أنه محال محض وتحصيل حاصل.

وفي الحقيقة، أليس القرآن الكريم يوصينا بآياته الجليلة أمثال: ]وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[ (سورة آل عمران:191).[3] إلى أفضل طريق للتفكر، وذلك بعرضه كتاب الكائنات أمام أنظارنا، وإظهاره كيفية كتابته وخواص حروفه ومزايا كلماته ونظام جمله وانتظامها، ورصـانة هيئته العـامة وقوتها.

أجل، إن التوجه إلى كتاب الحق تعالى في كل تفكر، وفي كل تصور، وفي كل حال وطور، والسعي لتدبّره وإدراكه، ومن ثم تنظيم الحياة وفق فهمنا هذا وامتثاله في حياتنا المعيشة، يجعل الحياة كلها ذات مذاقٍ روحاني؛ إذ إن كشف الأسرار الإلهية في كتاب الكائنات وإظهارها، يمنح الإنسانَ كل آن عمقاً إيمانياً آخر- فوق إيمانه - وتلوناً روحياً يرتشف مذاقه، هذا الكشف الجديد والنتائج المستخلصة منه نور يمتد من الإيمان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المحبة، ومن المحبة إلى لذائذ روحانية، ثم المضي قُدُماً إلى الآخرة ورضوان الله تعالى. فهذا هو الطريق المنور ليصبح السالك إنساناً كاملاً.

التفكر مفتوح على جميع العلوم حيث إنها ميدان بحثه وتنقيبه، إلاّ أن العلوم العقلية والتقريرات الوضعية ما هي إلاّ مقدمات لهذه النتيجة العظيمة وواسطة لها وطريق إليها.. وهذه جميعها متوجهة بمحتواها الحقيقي وبوجهها الصائب إلى العلم الإلهي الواحد، إن لم يُسقم دماغ الإنسان بمعالجات خاطئة.

نعم، إن التفكر في الموجودات ومطالعتها ككتاب، إنما يثمر الثمرة المرجوة منه، ويكون موضع واردات ذات بركة، بالإيمان بالله وأنه سبحانه هو خالق جميع الأشياء بجميع متعلقاتها، وهذا هو شعار روّاد الحياة القلبية وأبطال الحياة الروحية الذين أدركوا يقيناً أن كل شيء يستند إلى الله وحده بجميع أحواله وكيفياته فبلغوا الاطمئنان بمعرفة الله ومحبة الله وذكر الله.

والتفكر الذي لم ينظّم من البداية أي لم يؤسس على إسناد كل شيء إلى الحق سبحانه، وإنما يتناهى إليه تعالى بعد لأيٍ في النتيجة، يقابله التفكر المخطط له من البداية على أساس أن الخلق والأمر وكل شيء يستند إلى الله تعالى. هذا التفكر يجري ويستمر إلى اللانهاية بأبعاد جديدة دون انقطاع قط. بمعنى أن مثل هذا التفكر الذي يبدأ من الله سبحانه باسمَيْه "الأول والظاهر" ومن ثم يتوجه إليه تعالى أيضاً باسمَيْه "الآخر والباطن" ليس متناهياً بل غير متناه. ومن هنا فالحث على هذا النمط من التفكر الذي توضَّح هدفُه منذ البداية، فيه إرشاد إلى استعمال مناهج العلوم الطبيعية وتعلّم أصولها التي تحاول تقرير شكل الوجود وتشخيص تجليه.

أجل، لما كانت السموات والأرض بجميع أجزائها ومركباتها ملك الله تعالى، فإن مطالعة أي حادثة وأي شأن وأي نظام في كتاب الموجودات، تعني قراءة أحكام الخالق العظيم وكيفيات تصرفه في شريعته الفطرية. ولا جرم أن طريق من يقرأ هذا الكتاب حق قراءته وينظم حياته وفق ما قرأ سيكون طريق هداية وتقوى، وسيكون مثابه الجنة وشرابه الكوثر. ذلك لأنه، مقابل أصحاب الهلاك والخسران الذين يجولون في وديان الكفران بدلالة إبليس غافلين عن الله المولى الحق لأنواع النعم والآلاء وألوان الحسن والجمال في الدنيا، هناك من يعرف المنعم الحقيقي والمالك لكل شيء، ويؤمن به ويخضع له بشعور إيماني يجول في دائرة بين الشكر والنعمة والنعمة والشكر، بريادة الملائكة وقيادة الأنبياء والصديقين ويمضي عمره هكذا كـ"باز التفكر"[4] يحوم فوق قمم الأفكار، فيحلّق عالياً فوق الوديان نفسها التي تتساقط فيها الجموع الغافلة ويتردى فيها الهالكون... فيوفي بهذا التفكر حق ما ناله من ألطاف ربه الجليل. وإن اعترضه عائق في عالم الفكر اجتازه ببُعد الذكر، فيمر من التدبير إلى التسليم، ومن التمكين إلى التفويض، ويبلغ هدفه طائراً في السموات بينما الآخرون في الأرض أسرى المسافات.

اللّهم اجعلنا من الذين يذكرونك قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، وصلّ وسلّم على سيد المتفكرين وعلى آله وصحبه المخلَصين.


[1] الطبراني، المعجم الأوسط 6/250؛ البيهقي، شعب الإيمان 1/136؛ الهيثمي، مجمع الزوائد 1/81؛ أبونعيم، حلية الأولياء 6/66؛ العجلوني، كشف الخفاء1/ 370-371.
[2] البيتان للشاعر (الشبسترى) في ديوان (كلشن راز).
[3] وانظر: كذلك: سورة الرعد:3؛ سورة النحل:1-18،65-72؛ سورة الروم 19-27؛ سورة الجاثية12-13 وأمثالها.
[4] يستعمل المؤلف المحترم اسماً لطير يحلّق عالياً وبانسيابية بديعة، فوجدنا أقرب الطيور إلى ما يقصده هو الباز.

 
< السابق   التالى >

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

الشهر الماثل بالمغفرة

إن كان هناك شهر لا تنتهي نشوته، ولا تنفد بهجته، ولا يبلى الوجد عنده فهو شهر رمضان. إن أيام شهر رمضان ولياليها التي تقدّم لنا بأعذب لغة لُباب وجوهر جميع المواسم والشهور العطرة للسنة وروحها ومعناها الحقيقي، وما يترشح منها من عصارة...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

القرآن

هو أكثر منابع النور بركة في الوجود، وأسحر كلام وأكثره نفاذا إلى القلوب. كل أنواع الجمال الأخاذ الموجودة على سطح ‏الأرض ظل لنوره الموجه نحو الوجود، وأكثر الأصوات والنغمات سحراً ليس إلا سلما واحدا أو نغمة واحدة من تلك الأنغام ‏والأصوات ...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

أوان الرجوع إلى النفس

بينما كنا نسير نحو مستقبل مفعم بالنور بقلوب ملؤها الأمل إذا بنا نسمع أصواتا كريهة ترتفع من اليسار ومن اليمين تدعو إلى ‏عهد مظلم من جديد. سمعنا هذه الأصوات النشاز فقلقنا، "أبدأنا نرجع إلى أيام التناحر والشقاق؟" كم كنا معجبين بهم عندما كنا ‏نسمع منهم هذه ...التفاصيل

الحساسية التي أبداها الصحابة في اتباع السنة

وقد انقضت كل دقيقة بل كل ثانية بل كل عاشرة من حياتهم في مثل هذه الحساسية والتسليم. وما كان بوسع أحد من ‏الذين جاءوا بعدهم من الذين قضوا حياتهم ضمن هذه الحساسية والتسليم إلا إبداء كل الاهتمام بالسنة النبوية....

التفاصيل...

العصمة والأنبياء الآخرون

أولاً: إذا اختار أي نبي الشيء الحسن مع وجود الأحسن فهذا يعد زلة بالنسبة إليه، ولكن هذا لا يعد في مقاييسنا خطأ ولا زلة، لأن ما اختاره كان حسناً، غير أن النبي عليه أن يختار الأحسن، لأنه من المقربين. لنضرب مثالاً يقرب الموضوع إلى الأذهان:

التفاصيل...
Fethullah Gülen Web Siteleri