(وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى) [الضحى: 4] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

سورة الضحى سورة مكية نزلت في أكثر أيام الرسول صلى الله عليه و سلم ضيقاً. فقد جاءت أم جميل - زوجة أبي لهب - إلى الرسول صلى الله عليه و سلم في أثناء انقطاع الوحي وقالت له: "ما أرى صاحبك إلا أبطأك ".في مثل هذه الأجواء نزلت سورة الضحى التي قامت بالتسرية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وتطييب خاطره قائلة له: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى).

عندما نقيّم هذه الآية في ضوء تلك الظروف التي كانت تحيط بالرسول صلى الله عليه و سلم علمنا أن معنى هذه الآية تعني أن غدك سيكون أفضل من يومك الحالي، ومستقبلك أفضل من وقتك الحالي.. والتاريخ يشهد بأن هذا هو ما حصل فعلاً. ففي كل يوم كان نجمه يرتفع، ودعوته تتوسع. وكان كل يوم أفضل من سابقه وأكثر بريقا وألواناً. كانت الآيات والسور بعد هذا اليوم تقوم على الدوام بتقديم البشائر له. مثلاً (ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ) و (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً). كانت أمثال هذه السور مصدر أمل كبير لرسولنا صلى الله عليه و سلم. وكيف لا تكون ونحن حتى في هذه الأيام عندما نقرأ (والعاديات) تظهر أمام أعيننا صورة الخيول اللاهثة التي تثير الغبار وتنقدح الشرارات من تحت أقدامها، أو صورة الدبابات والطائرات الحديثة وكأن الروح المحمدي قد انتصب أمام أعيننا.

في سورة الضحى نلمس صورة القلق والضيق الفردي والشخصي، وكذلك صورة المستقبل، والانتصار والغلبة الروحية الآتية في المستقبل على مستوى المجتمع. كما تسري في هذه السورة موسيقى حزينة. أما في سورة "العاديات" ففيها موسيقى كموسيقى طبول الحرب. أي أن الحروف والكلمات في القرآن الكريم مختارة حسب مضامينها ومواضيعها بشكل دقيق يحير أولي الألباب من الباحثين والمدققين في هذا الأمر.

كما أن أسلوب سورة الضحى يعرض خاصية نفسية أيضا فعند القيام بالتسرية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نرى البدء بالقسم بالضحى ثم بالليل. أي عندما تقول "والضحى" تشعر وكأن أشعة شمس الضحى تنير وجهك وعينيك وتغرقك في الفرح والحبور. فإن كنا نحس بهذه المشاعر عند التلفظ بكلمة (والضحى) بعد مرور أربعة عشر قرنا، وبعد كل هذه الألفة مع القرآن الكريم، فما بالك بالمشاعر التي ملأت صدر سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم وهو يقرأ هذه الآية لأول مرة!... نفسي له فداء.

كما أن "وللآخرة" تعني الغد بالنسبة لليوم، والحال القادمة بالنسبة للحال الحاضرة، وبشارة بالرحمة الشاملة واللطف الواسع القادم بالنسبة للضيق الحالي واللطف النسبي الحالي. فهذه الآية تذكُرُ له وتعده بأن أيام نبوته الأولى في مكة التي اتسمت بالضيق ستفرج نوعاً ما في المدينة وسيتسع محيطها، وأن المشاكل والصعاب الظاهرية والشكلية ستنقلب إلى نعمة... وهكذا تتم بشارته هو أولاً باعتباره الرسول الفذ والفريد في مستوى الكون والزمان، ثم بشارة أصحابه والمنتسبين إلى دعوته ثانياً.

أجل!... فالبشارة له ولأصحابه وللمنتسبين الأوفياء لدعوته. وعند ذكر (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأوُلَى) فهي بشارة لأمته كذلك بأنها ستنقلب إلى حال أفضل، ومن الخير النسبي إلى الخير الحقيقي، ومن الإيمان إلى العمل، ومن العمل إلى الإحسان، ومن الضيق إلى الفرج، وأخيرا البشارة بأن الآخرة الحقيقية المتمثلة بالجنة والمنتهية برؤية الله تعالى ستكون أفضل من كل ما عداها.

اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضا، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri