| (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِاْلإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [الحشر: 10] |
|
|
| بقلم: فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
يجب أولاً أن نعلم جيداً بأن الدار الآخرة والجنة هما المكانان الأصليان اللذان يطرح فيهما الغل والشر من القلوب. ولو أخرجت هذه المشاعر - التي هي من أسس الامتحان - من القلوب في الدنيا لانقلب الإنسان فطرة إلى ملك من الملائكة. بينما خلق الله تعالى الإنسان في هذه الدنيا بماهية قابلة للخير وللشر أيضا. ولو فرضنا المستحيل وأخرجت هذه المشاعر من قلب الإنسان في الدنيا لنبتت هذه المشاعر في القلب مرة أخرى في يوم من الأيام كما ينبت الشعر أو الأظافر من جديد، لأنها لصيقة بفطرة الإنسان. لهذا السبب فبدلا من صيغة الدعاء "إنزع" ورد التوجه لله تعالى الفاعل الحقيقي بصيغة (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَ آمَنُوا). إذن فالواجب الملقى على عاتق الإنسان هنا هو التوجه بالدعاء القولي والفعلي لله تعالى ومحاولة التخلص من هذه المشاعر التي تعد مثل الأشواك المعنوية المستقرة في القلب. وبهذه الوسيلة يستطيع التطهر من المشاعر السيئة ويكون أهلاً للجنة ويقبله الله تعالى في رضوانه. ثم كأن هناك رسالة موجهة إلينا في هذه الآية الكريمة تطلب منا أن نعيد نظرتنا بالنسبة للسلف الصالح. أي قبول التابعين للصحابة وقبول تابع التابعين للتابعين. أي تدعونا للتصرف باحترام تجاه أرباب القلم وأرباب الكلام من رجال الحركة والفكر الذين تركوا في حياتنا الدينية وفي مشاعرنا وأفكارنا وعقيدتنا، بل حتى في التفسير وعلم الكلام والفقه أثراً لا يمحى وميراثاً كبيراً لنا. والأمر الآخر الذي يراد توضيحه هنا على ما أرى هو إن كل إنسان يلتذ ويسعد - وكذلك يتألم - بنسبة ترقي وسمو مشاعره وبنسبة نمو هذه المشاعر وتوسعها وتطورها. فمثلاً إن كانت قابلية الحدس عند إنسان حساس متطورة، استطاع هذا الإنسان استخراج معانٍ عديدة من تصرفات الشخص الموجود أمامه، وهذا يكون مصدر عذاب له أحياناً ومصدر رحمة أحياناً. ويمكن القول انطلاقاً من هذا إن مقدار السعادة واللذة التي يحس بها الإنسان في الجنة يتناسب مع مقدار توسع وتطور مشاعره في الدنيا. ومن يدري فقد يقول من لم تتطور وتتوسع عنده هذه المشاعر عند دخوله الجنة: "ليتني كنت قد تطورت أكثر قبل دخولي الجنة" أو يدعو ويقول: "يا رب! أرجعني إلى الدنيا لكي أكمل سيرتي الروحية وأنميها"... ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن الإنسان لكي ينعم بلذائذ الجنة على وجهها التام فمن المهم أن يتخلص من مشاعر الحقد والغل والحسد وغيرها. لذا يجب النظر إلى هذه الآية من هذه الزاوية أيضاً. والحقيقة أنه حسب آية (إنّمَا الْمُؤْمِنُونَ اِخْوَة) [الحجرات: 10] وآيـة (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أوْلِيَاءُ بَعْض) [التوبة: 71] فالذين توجد بينهم رابطة الإيمان ورابطة الإسلام عليهم أن يتحابوا ويحترموا أسلافهم، بل ويغضوا النظر عن بعض قصورهم المحتمل، وأن يدعوا بالخير لمن سبقوهم، وألا يحملوا على الإطلاق أي حقد أو غل أو عداء تجاههم. والذين يدعون انتسابهم إلى الرسول صلى الله عليه و سلم عليهم ألا يفكروا وألا يتكلموا إلا بخير وألا يتصرفوا إلا بخير تحقيقاً للآية الكريمة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإثْمِ وَالْعُدْوَان). كم نحن في حاجة إلى مثل هذا الأمر ولا سيما في مثل أيامنا هذه. (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)..... آمين. |
| < السابق | التالى > |
|---|



