(لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: 18] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

كما هو معلوم فهذه الآية تصف ما جرى عند معراج رسولنا صلى الله عليه و سلم. وعلاوة على هذه الجهة من الآية، فهي تفتح الباب على حقائق أخرى خارج هذا الموضوع الخاص.

إن قيام الرسول صلى الله عليه و سلم بمشاهدة الأدلة الآفاقية والأنفسية حول وجود الله تعالى بعينيه، وقيامه بتقييم هذه المشاهدة العينية بمشاهدة داخلية عميقة وبحدس يحيط بأبعادها الحقيقية نتيجة لطف من ألطاف الله. أجل!... فمشاهدة هذا الإنسان العظيم يجب أن تكون مشاهدة كلية لأنه يملك نظراً كلياً. وبهذا الاعتبار يستطيع مشاهدة التجليات الإلهية دون مانع ولا حائل ولا ستار ولا عائق. والكلام الذي يقوله ويتفوه به مثل هذا الإنسان المالك لهذا الأفق الواسع الرحب لا يمكن لأي إنسان عادي أن يعارضه أو ينتقده. فلا شك أن نظر من يقف على الأرض ويتأمل السماء، ليس مثل نظر الجالس في بيته ولا يستطيع مشاهدة أبعد من أنفه.

وسواء أنظرنا إلى "الآية" و "الكبرى" هنا على أساس أنهما صفة وموصوف، أم عددنا "من" هنا زائدة وعند ذلك يكون المعنى أنه شاهد آيات ربه الكبرى. إذن فهذا الرسول الجليل القدر في رحلته وراء الزمان والمكان رأى من معجزات ربه، ومن آياته الباهرة، ومن العجائب الموجودة وراء الأستار ما يجل عن الوصف، وتقابل مع العلامات العظمى وجها لوجه، وتسنت له مشاهدة آفاق لم يتسن لأحد مشاهدتها، وما كان بقدرة أي كلام أو بيان وصف التجليات الإلهية التي شاهدها وهو يتجول في المقامات والمراتب العليا. لقد أحس وحده في الآفاق التي تجول فيها بالأنوار والأسرار، وهو الذي سمعها فقط. ولم يكن باستطاعة أحد غيره، ولا بمقدوره تحمل هذه المشاهدة الكلية الواسعة المتمثلة في الآية الكبرى. ولم تكن الآية الكبرى هو الله الأحد الصمد. أي أن ما رآه لم يكن ذات الله تعالى، بل آيته الكبرى. فالوجود كله من بدئه إلى منتاه ليس إلا آيات دالات على الحق تعالى وإشارات إليه وتعبير عنه. وحسب آية (لاَ تُدْرِكُهُ اْلأَبْصَار) فلا يمكن الإحاطة بالله أو إدراكه فهو أمر ستحيل ولا يمكن الحديث عنه. ولكن رؤيته ممكنة. ولكن الآية تصرح بان المُشاهَد لم يكن هو بل آيته الكبرى الميسرة لرسولنا صلى الله عليه و سلم.

واستناداً إلى حقيقة كون الرسول صلى الله عليه و سلم حبر كتاب الكون ونواة شجرة الخلق، ونور نوع الإنسان نستطيع أن نقول أن هذه الرؤية والمشاهدة كانت قراءة لكتاب حقيقته ومشاهدة لشجرة وغصن وأوراق وثمرة ماهيته المنكشفة. وان مثل هذه السياحة تمت في موضع فوق الزمان والمكان، موضع يسمع فيه صرر قلم القدر الذي قام بتصميم وتخطيط الوجود الأول، في ظل العرش وفي أفق الرضوان والفضل.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri