| (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
لا يخالف المنطق الشرعي أن نقول بأن كل مصيبة تصيبنا هي عقاب على إثم اجترحناه. ولكن لو عوقبنا على كل ذنب اقترفناه لتزاحمت المصائب على رؤوسنا ولما وجدنا فرصة للراحة. أي لو عوقبنا بالأفعال التي تكون خارجة عن رضاه في كلامنا ومجالسنا وتجولنا لما سنحت لنا فرصة للهدوء. وهذا يعني أن الله تعالى الذي سبقت رحمته عذابه يعفو عن الكثير من ذنوبنا، ومن يدري كم من المرات يعفو عنا في اليوم الواحد، وهذا هو ما تسجله الآية الكريمة (ويعفو عن كثير). والحقيقة إن معرفة الإنسان بأن المصائب التي تصيبه هي نتيجة أعماله وما اقترفته يداه هي من أمر القرآن. وأي تفكير مخالف لهذا يسوق الإنسان إلى التفتيش عن متهم ومذنب خارجي. ومثل هذا الإنسان لن يجد مثل هذا المذنب، ولا يتخلص عن إثم سوء الظن. أجل!... يعطينا القرآن مقياسا في البحث عن المذنب: المذنب ليس شخصا آخر، بل هو أنفسنا. لنقل مثلا إننا تعثرنا - نتيجة سهو وعدم انتباه - بقدح وكسرناه وانسكب الشاي الموجود فيه وأحرق قدمنا. في مثل هذه الحالة لا يفيدنا الغضب والبحث عن مذنب والصراخ: "من وضع هذا القدح هنا؟". بل علينا أن نرجع إلى أنفسنا ونقول : "يا رب!... لا وجود للمصادفة في حوادث الكون. يجوز أن يكون هذا عقابا لي على اقترفته... فاغفر لي ذنوبي". ولا نقوم بتوبيخ الآخرين. فإن قمنا بالتفتيش عن مذنبين آخرين كنا قد تصرفنا ضد الآية الكريمة (وَلاَ تُزَكُّو أنْفُسَكُم) [النجم: 32]. كما يتضمن أيضا سوء الظن بالآخرين أي مخالفة للآية الكريمة (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنِّ) [الحجرات: 12]. أجل!... إن اتهام الشخص لنفسه عند وقوع المصيبة يسوق الإنسان إلى مراقبة النفس. ألم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يفزع إلى الصلاة وإلى الدعاء والتوجه إلى الله والاستغفار منه عند كل ملمة تلم به؟. وكلمة "أيديكم" الواردة في الآية الكريمة لا تعني الذنوب التي تقترفونها بأيديكم فقط، بل تعني كل الذنوب التي تشارك فيها أيديكم وأرجلكم وسمعكم وأبصاركم... الخ. أي جميع الأعمال التي يشارك في أدائها جميع أعضائكم. لذا يمكن النظر إلى جميع الذنوب - بدءً من الغيبة ووصولاً إلى الزنا - من هذا المنظار. أحياناً يوجد هناك تناسب بين كيفية مجيء المصائب وثقلها وبين الأخطاء والذنوب المرتكبة، وأحياناً لا يوجد. غير أن كل مصيبة تعد بالنسبة للمؤمن حوض تصفية وتطهير، يذهب إليه المؤمن ويتطهر من ذنوبه، فيحافظ على النقاء الموجود في سريرته ويصونه. في حديث شريف يرويه ابن أبي حاتم يقول رسولنا الطاهر المطهر صلى الله عليه و سلم: (لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر)[1]. وسواء أغفر الله تعالى تلك الذنوب مباشرة، أو تحويلها إلى مصائب وتطهير الإنسان بها فإن الإنسان لن يبقى متلطخا بالذنوب. فكما قال علي رضي الله عنه فإن الله تعالى أعدل من أن يحاسب عبداً يوم القيامة عن ذنب سبق وأن غفره له، ولا أن يعاقبه يوم القيامة على ذنب سبق وأن عاقبه بسببه في الدنيا. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. [1] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الآية أعلاه، علي المتقي، (كنـز العمال) 3/341، 707 |
| < السابق | التالى > |
|---|



