بناء الجسور بين الاسلام والحداث

بناء الجسور بين الاسلام والحداث

فتح الله كُولَنْ مؤسس حركة تعليم إسلامية منتشرة عبر أرجاء العالم، يرى في الأخلاق والمعرفة محركا لإرساء إسلام حديث يتلاءم و...

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

الأستاذ محمد فتح الله كولَن يتصدر قائمة مثقفي العالم

واشنطن (جيهان) ـ احتل العالم والمفكر الإسلامي الأستاذ فتح الله كولَن الصدارة في قائمة "أهم مائة مثقف معاصر في العالم" ...

عشرون مفكراً في ذروة العالم

عشرون مفكراً في ذروة العالم

القيام بالترتيب عملية خطرة بطبيعتها. سواء أكان هذا الترتيب في سلسلة في حق البلدان أو المدن أو الجامعات، أو في حق أي سلسلة أخ...

وخاتم المنبئين عن الغيب

وخاتم المنبئين عن الغيب

القول الفصل الأخير حول حقيقة "الله والكون والإنسان" هو لحضرة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو شجرة الوجود، والعلة الغائ...

مدارس ودروس من

مدارس ودروس من "ديتون" الأمركية إلى "أبنت" التركية

قالوا قديماً إن في السفر فوائد كثيرة تظهر في جوانب مختلفة من حياة المسافر، منها زيادة رزقه، واتساع علمه، وتقوية صحة جسمه، و...

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

آثار الرسول صلى الله عليه وسلم والأمانات المقدسة

فتح الله كولن، مقدمة كتاب "آثار الرسول في جناح الأمانات المقدسة في قصر طوب قابي بإسطنبول"

الصفحة الرئيسية
الـقـدوة الـحـسـنـة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

ومن الأسباب التي يمكن ذكرها لإرسال الله تعالى لأننبيائه ورسله هو أن يكونوا أسوة حسنة وقدوة متبعة لأممهم. فالله تعالى يذكر في قرآنه الكريم: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام: 90). هذه الآية موجهة للرسول صلى الله عليه و سلم توصيه بالاقتداء بالأنبياء الذين سبقوه بعد أن ذكرت أسماءهم واحداً تلو الآخر... فتأمل.

ثم إن القرآن الكريم يخاطبنا قائلاً: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} (الأحزاب: 21).

فالأنبياء أسوة حسنة لنا وهم أئمتنا؛ فكما نتبع الإمام في الصلاة، نتبع سلوك الأنبياء في جميع تفاصيل الحياة ونقتدي بهم. ذلك لأن الحياة الحقيقية بالنسبة إلينا يمثلها نبينا صلى الله عليه و سلم والأنبياء الآخرون. والصحابة الذين عاشوا عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم اقتدوا به حذو النعل بالنعل، لذا وصل هؤلاء الصحابة والتابعون لهم إلى هذه المنزلة التي بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديثه:

«يأتي على الناس زمان يغزو فِئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتَح لهم. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صَحِبَ رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صَحِب من صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.»([1])

ويقول النبي صلى الله عليه و سلم في حديث آخر: «خير الناس قَرْني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.»([2])

فيشير إلى فضل القرون القريبة منه، ذلك لأن أهل هذه القرون كانوا يبدون حساسية شديدة في اتباع سنن الرسول صلى الله عليه و سلم في كل شيء: في حياتهم ومشاعرهم وأفكارهم. وفي الحقيقة كان من المهمّ أن يكون التشبه برسول الله صلى الله عليه و سلم -المبعوث من قبل الله أسوة حسنة- غاية وهدفاً... وتحقق هذا فعلاً.

أجل، لقد أبدى الصحابة والتابعون وتابعو التابعين حساسية شديدة في هذا الموضوع، لذا كانوا أفضل من الناس الذين عاشوا في القرون الأخرى، وكان النبي عيسى عليه السلام يقصد أمة نبينا صلى الله عليه و سلم عندما قال: [في يدهم أعلام القِدِّيسين] (التثنية - الباب: 33، الآية: 3) وهذا تبجيل كبير. وهناك حديث ضعيف يقول: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.»([3]) وهذا مما يدل على فضل هذه الأمة المحمدية.

أجل، فقد وصلوا باتباعهم النبي صلى الله عليه و سلم إلى الحد الذي لا يوجد وراءه سوى النبوة. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يمثل أنموذجاً مدهشاً لهذا النوع من الرجال الذين اتخذوا من الرسول صلى الله عليه و سلم مُرشداً لهم في جميع أمور وتفاصيل ودقائق حياتهم، وزيّنوا وعطّروا حياتهم بهذه القدوة المباركة. ولم يتغير نظام حياته قيد شعرة بعدما دالت له الدول وانفتحت أمامه أبواب البيزنطية ودانت له الشعوب والأمم؛ أما القُدس الحزينة الأسيرة اليوم... اللطخة السوداء على جبين العالم الإسلامي... هذه البلدة الطيبة التي فتحت في عهده والتي لم يرض قساوستها ورهبانها تسليم مفاتيحها على الرغم من انتصار المسلمين وفتحهم لها قائلين: "لا نرى فيكم أوصاف الشخص الذي يجب أن يتسلم هذه المفاتيح..." وعندما أخبر بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سافر إلى القُدس على ناقة استعارها من بيت المال متناوبا ركوبها مع خادمه حتى وصلا المدينة.

ولننظر هنا إلى تجلي عظمة القدر حيث يتوافق دخول الأمير المدينة وهو يقود الدابة لخادمه؛ إذ كانت نوبة الركوب له، فنزل الخليفة عن الناقة ولم يلتفت إلى إصرار الخادم، فأركبه الناقة وأمسك بمقودها يقودها وهو يدخل إلى المدينة.

ولكم أن تتصوروا أنتم حال من يرى هذا المنظر الفريد... لقد بهتهم هذا المنظر، وأذهلهم حتى تسمّروا في أماكنهم لا يصدقون ما تراه أعينهم، وقالوا: "أجل، هذه هي صفات الشخص المذكور في كتبنا" وسلموا له مفاتيح المدينة.

ثم تأملوا حاله وهو مسجًّى على الأرض بعد أن طعنه ذلك المجوسي. وأثر ما أكله من طعام أوشراب يخرج من جرحه... كان صامتاً لا يبدر منه صوت ولا يهتم بما يدور حوله، وها هو خادمه يأتيه ويسأله إن كان يريد طعاما أو شرابا فلا يجيبه وإنما يشير بعينيه أن "لا". ويروي المِسْوَر بن مَخْرَمَة قال: دخلت على عمر بن الخطاب وهو مسجى فقلت: كيف ترونه. قالوا: كما ترى. قلت: أيقظوه بالصلاة فإنكم لن توقظوه لشيء أفزع([4]) له من الصلاة. فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال "ها الله ولا حقّ في الإسلام لمن ترك الصلاة." فصلى وإن جرحه لَيَثْعَب([5]) دما.([6])

هكذا كان عمر رضي الله عنه... هكذا كان لأنه تعلم ذلك من سيده وحبيبه ورسوله، لذا يجب أن يتبعه ويقتدي به بهذا الشكل كي يكون أسوة حسنة لمن يأتي بعده.

أجل، فإرسال الرسل والأنبياء ليكونوا قدوة وأسوة حسنة لأممهم من أسمى غاياتهم.


([1]) البخاري، فضائل الصحابة، 1؛ مسلم، فضائل الصحابة، 208-209
([2]) البخاري، فضائل الصحابة، 1؛ مسلم، فضائل الصحابة، 212
([3]) «كشف الخفاء» للعجلوني 2/64؛ «الفوائد المجموعة» للشوكاني ص286
([4]) أي يلجأ اليها. (المترجم)
([5]) يثعب: أي يجري. (المترجم)
([6]) «مجمع الزوائد» للهيثمي 1/295؛ «الطبقات الكبرى» لابن سعد 3/350

 
< السابق   التالى >

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

الشهر الماثل بالمغفرة

إن كان هناك شهر لا تنتهي نشوته، ولا تنفد بهجته، ولا يبلى الوجد عنده فهو شهر رمضان. إن أيام شهر رمضان ولياليها التي تقدّم لنا بأعذب لغة لُباب وجوهر جميع المواسم والشهور العطرة للسنة وروحها ومعناها الحقيقي، وما يترشح منها من عصارة...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

القرآن

هو أكثر منابع النور بركة في الوجود، وأسحر كلام وأكثره نفاذا إلى القلوب. كل أنواع الجمال الأخاذ الموجودة على سطح ‏الأرض ظل لنوره الموجه نحو الوجود، وأكثر الأصوات والنغمات سحراً ليس إلا سلما واحدا أو نغمة واحدة من تلك الأنغام ‏والأصوات ...التفاصيل

ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ

أوان الرجوع إلى النفس

بينما كنا نسير نحو مستقبل مفعم بالنور بقلوب ملؤها الأمل إذا بنا نسمع أصواتا كريهة ترتفع من اليسار ومن اليمين تدعو إلى ‏عهد مظلم من جديد. سمعنا هذه الأصوات النشاز فقلقنا، "أبدأنا نرجع إلى أيام التناحر والشقاق؟" كم كنا معجبين بهم عندما كنا ‏نسمع منهم هذه ...التفاصيل

الحساسية التي أبداها الصحابة في اتباع السنة

وقد انقضت كل دقيقة بل كل ثانية بل كل عاشرة من حياتهم في مثل هذه الحساسية والتسليم. وما كان بوسع أحد من ‏الذين جاءوا بعدهم من الذين قضوا حياتهم ضمن هذه الحساسية والتسليم إلا إبداء كل الاهتمام بالسنة النبوية....

التفاصيل...

العصمة والأنبياء الآخرون

أولاً: إذا اختار أي نبي الشيء الحسن مع وجود الأحسن فهذا يعد زلة بالنسبة إليه، ولكن هذا لا يعد في مقاييسنا خطأ ولا زلة، لأن ما اختاره كان حسناً، غير أن النبي عليه أن يختار الأحسن، لأنه من المقربين. لنضرب مثالاً يقرب الموضوع إلى الأذهان:

التفاصيل...
Fethullah Gülen Web Siteleri