| (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) [القصص: 76] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
جاء في بعض روايات التفسير - استناداً إلى هذه الآية - أن قارون كان من أقرباء النبي موسى عليه السلام، فقال بعضهم إنه كان ابن خاله، وقال بعضهم: كان ابن عمته. وقد تكون مثل هذه التفاسير، والبحث عن قرابة مع هذا النبي هو للتأكيد على أنه مع كونه بهذا القرب من النبي موسى عليه السلام فهو لم يستطع الاستفادة منه. والحقيقة أنه لا توجد أي إشارة لمثل هذه القرابة لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية. إذن يجب البحث عن تفاسير أخرى: يحتمل أن قارون كان من بني إسرائيل، لذا قال القرآن الكريم (كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى). أو كان من بين الأمة التي وجه إليها موسى دعوته. أي كان ضمن من شملتهم دعوة موسى عليه السلام. وقد يكون - مثله مثل السامري - من الأشخاص الذين اهتم بهم النبي موسى عليه السلام، ورآه ممن يجب بذل عناية خاصة به. ولكن قارون لم يستطع تقييم هذا الاهتمام ولا تقييم الثروة المعطاة له لكي يكسب بهما الجنة. وتستمر الآية فتقول (وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [القصص: 76]. ولنقل من البداية بأن تعابير القرآن الكريم منـزهة عن الكذب، وكذلك عن المبالغة التي تعد كذبا ضمنيا. إذن عندما نقوم بتصور هذه الحقيقة التي يعبر عنها القرآن، أي تصور كنوزه التي تنوء العصبة أولي القوة من حمل مفاتحه ندرك ماذا تعني مثل هذه الثروة الطائلة. إن كنوز قارون هذه كانت بمقادير تكفي لملء متاحف عديدة حاليا. إن قارون تجاه هذه الثروة الطائلة التي وهبت له تجبر وتكبر وطغى واستعلى على قومه، لذا قال له بعضهم: (لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: 76]. ولكنه لم يعبأ بهذا التنبيه بل استمر على انحرافه،ثم أجابهم متبجحاً: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي). وليس هذا الوضع خاصا بقارون. فكم من شخص في التاريخ القديم وفي أيامنا الحالية أيضا قد أطغته الثروة والغنى وحرفته عن الطريق القويم، وهم يكررون نفس ما قاله قارون. لذا ليس من الصحيح تضييق إطار خطاب القرآن وحصره بقارون. وقال الذين كانوا يغبطون قارون على ثروته (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). ولكن عندما خسف الله بقارون وبداره الأرض: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [القصص: 82]. كان مصير قارون الذي لم يُعَيِّرُ سلوكه وينظمه كما يجب تجاه النعم المهداة له هو أن الله خسف به وبداره الأرض. ويرسم القرآن هذا الأمر بالمشهد الآتي: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ) [القصص: 81] والحقيقة أن قارون قد أخطأ في ناحيتين: الأولى: إنه انحرف إلى الغرور بسبب هذه النعم التي أنعمها الله عليه، واستعلى على الناس وعلى الله، وسقط في هوة الكبرياء والغرور وهو من الصفات الحائلة بين المرء وبين الجنة. وفي مقابل دعوى الكبرياء والغرور عاقبه الله بخسف الأرض من تحته. وبتعبير آخر بينما كان قارون يعتقد بأنه هو صاحب هذه النعم المقدمة إليه، وأنه سيملكها إلى البد خسف الله به الأرضَ. بينما كان من الأنسب له إبداء التواضع (من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله).[1] الثانية: إنْ كَثُرَ في أي مجتمع قارون وأمثاله وَمَنْ على شاكلته، وسيطرت ذهنيتهم على المجتمع بدأت بوادر تمزق وتفتت في ذلك المجتمع. أي لو أصبحت ذهنية الذين يربحون ويكسبون الأموال الطائلة ولا يرون لأحد أي حق في هذه الأموال، ولا يحركون ساكنا إن مات غيرهم من الجوع، أي لو سادت فلسفة الأشخاص الأنانيين في المجتمع، وأصبحت هي التي تشكل طراز حياة الناس، ظهرت فروق هائلة بين طبقات المجتمع. ويمكن الوقوف عند الرأسمالية والشيوعية كأمثلة على مثل هذه الهوة الواسعة بين الطبقات. ففي أمثال هذه النظم كانت هناك في السابق وحاليا هوة واسعة بين طبقات الشعب، مما أدى ويؤدي إلى مآسي إنسانية كبيرة، وإلى مصائب. لذا فإن الله تعالى لكي يمنع من انتشار هذه العلة وهذا المرض وسريانه بين أفراد الشعب عاقب قارون بالخسف به وبداره الأرض لكي يكون عبرة لمن يأتي من بعده. كما أن الله تعالى أراد أن ينبه الناس إلى أن الذين يهتمون بزينة هذه الحياة الدنيا وزخرفها يقعون في خطأ كبير، فإن مال الدنيا زائل، والله تعالى الذي وهب هذه الأموال وهذه الزينة يستطيع سحبها متى ما شاء. والخلاصة أن قارون كان يملك أمتعة كثيرة من الذهب والفضة، ولا يهم هنا عن أي طريق حصل عليها.وكانت خزائنه هذه موجودة في غرف عديدة ومتداخلة ولكل منها مفاتيح ومزاليج لجعلها محفوظة ومصانة جيدا. وهذه المفاتيح والمزاليج الكثيرة تشير إلى صفة الحرص والبخل عند قارون. ويجوز أنه حصل على هذه الثروة الكبيرة عن طريق التنقيب عن الخزائن المطمورة سابقا والعائدة للملوك السابقين، أو عن طريق الربا. وهذه الثروة الكبيرة والفجائية التي حولها إلى سلطة ونفوذ كبيرين وإلى استخدام العبيد والحراس جعلته يطغى ويتكبر ويتجبر، لذا قال له بعض قومه: (لاَ تَفْرَحْ إنّ الله لاَ يُحِبُّ الفَرِحِين). والسهولة التي حصل بها على هذه الثروة أو بخله وشحه أعمى بصره فلم ير لأي أحد حقا فيها. وكل التصرفات السلبية التي صدرت منه ترجع في الأساس إلى عمى البصيرة هذه، واعتقاده بأن الدنيا ستسعده وتشبعه وتكفيه. وما يطمئن للدنيا ويركن إليها إلا مَنْ كان قد فقد التوازن القلبي... وكان قارون أحد هؤلاء. [1] المسند للإمام أحمد، 3/76؛ ابن ماجة، الزهد 16 |
| < السابق | التالى > |
|---|



