| (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ # وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء: 219] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
"تَقَلّبَ" من باب "تَفَعَّلَ"، وهذا يشير إلى تكلف شيء وبذل الجهد فيه. أي قيام الإنسان في أمر ما ببذل ما يستطيع وبالإصرار عليه. وهذه هي الصيغة التي يرسمها الله تعالى في وصف سجود رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم. أي أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يبذل غاية ما في وسعه لإظهار عبوديته لربه وهو ساجد أي وهو أقرب ما يكون إليه، ويكاد أن يذوب في سجوده. ولكن هناك أمر تجب الإشارة إليه، وهو إن لم هناك شعور قلبي غامر فلا يمكن الوصول إلى مثل هذه الذرى أبا. ومن لا يملك مثل هذا الشعور فتظاهره بالخشوع في السجود ليس إلا رياء. أجل!... إن هذا الشعور القلبي وهذه المعنويات مهمة جدا ولا سيما في موضوع العبودية لله. فعلى المؤمن أن يتوجه لله في كل أمر بكامل الزهد وبكامل التقوى وبكامل الإخلاص. وأن يكون هذا التوجه الغاية الوحيدة له، على ألا يفهم من هذا ترك الدنيا واعتزالها. فمن جانب يتم التوجه لتعمير الدنيا وجعلها جنة، تتوجه القلوب من جانب آخر إلى الحب الإلهي، نفحة الإيمان لتفشى الحياة. أي بينما تعمر الدنيا وتنظم، يتم التوجه إلى الله لنيل رضاه وفتح باب الوصول إليه على مصراعيه. وأليس هذا هو ما يقوله القرآن الكريم عندما يذكر: (فَأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ الله) [البقرة: 115]. وأنا أرى أن هذه الآية مهمة جداً وذات معان عميقة في وصف الوضع العام للمؤمن الكامل، وفي عكس مقاييس علاقة المؤمن بالله تعالى وارتباطه به. يقول الفقهاء بأن الإنسان عندما لا يعرف جهة القبلة يسأل ويستفسر عنها ويحاول بإمكانياته العثور عليها. وتكون صلاته مقبولة في هذه الحالة حتى وإن صلى إلى جهة معاكسة للقبلة. ولكن ليس من الصحيح قصر معنى الآية على هذا فقط. فالإنسان في جميع أحواله : عندما يأكل وعندما يشرب... عندما يقوم وعندما ينام ... عندما يكون بين أهله... عندما يتنـزه ... في كل أحواله هذه عليه أن يكون متوجها لله تعالى مراقبا إياه، شاعراً به. أجل!... إن الآية تشير إلى هذه المعاني أيضاً. والحقيقة إن على الإنسان أن يجدد نفسه في كل حين في علاقاته بربه، وتظل نفسه طرية على الدوام. صحيح إن الله تعالى منـزه عن التجدد والتغير والتبدل، ولكن شعورنا به وعلاقتنا معه يجب أن تتجدّد على الدوام. كان القدماء يقولون عنه تعالى "منظور إليه"، والتجديد المطلوب هو من ناحية الناظرين إليه. وهذا التجديد تجديد من ناحية البحث المستمر عن التجليات الجديدة لهذا "المعبود بالحق" و"المقصود بالاستحقاق"، والتعرف عليه من جديد للوصول إلى أعماق إيمانية أخرى. نحن مضطرون لهذا، وإلا فليس من البعيد تعرض إيماننا للتعفن وللبِلى. إذا رجعنا للآية الكريمة نقول بأن السجود الخاشع المتبتل يتناسب طردياً مع مقدار الحضور الإلهي في القلب وفي الفؤاد. فقلب الإنسان اللاهي عن الله مع كونه غارقا في نعمه، والقلب الذي لا يحمل مثقال ذرة من الشعور بالامتنان والشكر والحمد، لا يستطيع الاقتراب من مثل هذا السجود مرة واحدة في حياته كلها، أو يكون هذا صعباً جداً. ثم إن قيام الرسول صلى الله عليه و سلم بأداء وظيفة العبودية بعمق نتيجة لعمق شعوره بمراقبة الله تعالى له في قيامه وقعوده وحركاته وسكناته "الذي يراك حين تقوم" أجل!... فهو مع كونه ساجدا بخشوع، ولكنه من ناحية أخرى يقوم بتنفيذ وتطبيق أوامر الحق تعالى، أي هو في حالة قيام روحي. فهو يقوم للتهجد نصف الليل. وهو قائم أيضاً لتنفيذ وتطبيق أوامر الدين بكل وجد وبكل طاعة وتسليم. وهو يقوم لتلبية الحاجات المادية والمعنوية للمؤمنين بكل إنابة وخضوع لمولاه. أي كان يعيش العبودية لله في كل حركاته وسكناته منتظراً أوامره ومطبقاً إياها. وعندما يسجد ويضع جبهته في مستوى قدميه يكون قد ارتفع إلى ذروة العبودية فهو القائل: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). |
| < السابق | التالى > |
|---|



