(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَاناً سُوىً # قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) [طه: 58 – 59] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

كم من الأسرار والأنوار تشع إلى قلوبنا من هذه الآيات المتعلقة بسيدنا موسى عليه السلام كليم الله. فقد عاش أولا حادثة محفوفة بالأسرار في الطور. فقد شاهد هناك عصاه وهي تنقلب إلى حية تسعى، ويده وهي تصبح بيضاء للناظرين. فأصبح أفق اليقين الواقعي عنده متطابقا مع أفق اليقين الكامن عند هذا النبي العظيم الذي كانت ثقته ويقينه بربه كاملا. لقد أصبح يقينا كاملا بأنه مهما فعل سحرة فرعون فإنه سيغلبهم ويهزمهم. لذا كان ينظر بالفطنة الخاصة بالأنبياء إلى المسألة هكذا ويحلها بالشكل الآتي:

1- إن هذا الموضوع من القيام بإحقاق الحق وإبطال الباطل يجب ألا يتم خلف أبواب مغلقة، بل أمام كل الناس يحضره ويراه جميع أهالي مصر بسهولة مكانا سوى.

2- يجب اختيار يوم عيد ومناسبة احتفال، لكي يستطيع جميع الناس الذين يكونون في عطلة آنذاك من حضور هذا المكان.

3- وأنسب وقت لهذا التجمع هو وقت الضحى، ففيه يكون الجميع قد تخلصوا من حالة النعاس، ويكونون في نشاط ويقظة ويستطيعون إصدار حكم صحيح آنذاك.

وهكذا وفي وقت الضحى جاء المصريون أفواجاً إلى مكان اللقاء ليشاهدوا السباق الذي سيجري بين السحرة وبين موسى عليه السلام. كان السحر في ذلك العهد مهنة محترمة ذات مستوى عال. لم يكن هؤلاء السحرة أناساً بسطاء أو عاديين. كانوا أشخاصا متصلين بالجن يأخذون منهم الأخبار، ويعرفون تحضير الأرواح ويجوز انهم كانوا يعرفون بعض المبادئ الأولية والبدائية للبراسايكولوجي. أي كانوا يعدون من الطبقة المثقفة في ذلك العهد. لذا فإن هزيمتهم أمام النبي موسى عليه السلام ثم إيمانهم به بعد ذلك كان يُعد آنذاك بمثابة انقلاب في معسكر الإيمان. وهذا هو ما حدث بالضبط. فالسحرة الذين أدركوا وأيقنوا تماما بأن ما جرى على يد موسى عليه السلام لم يكن من أعمال السحر أعلنوا إيمانهم أمام الملأ وأمام جميع الأنظار على الرغم من قيام فرعون بتهديدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وبعد إيمان العامة وجمهور الناس - عدا أناساً من المتعصبين - الذين شاهدوا إيمان السحرة بموسى وتسليمهم له، وانتشار الشك والتردد بين الباقين، كان المقصود قد حصل وتم. لقد انـهدم الكفر الصراح والكفر البواح. لقد أصبح الناس في وضع يستطيعون الاختيار بين موسى عليه السلام وبين فرعون.

والشيء الأساسي الذي نريد الوقوف عنده في تحليلنا لهذه الآية هو موضوع المكان والزمان اللذين اختارهما موسى عليه السلام لهذا التحدي المهم. ويستطيع المسلمون اليوم استخلاص دروس وعبر مهمة من هذه الحادثة. فالمؤمن يجب ألا يقع في التشاؤم وهو يرى الإمكانيات المحدودة لديه. وعليه أن يستعمل ما أعطاه الله من فضل استعمالا حكيما وألا يستعمله دون حساب. أي يقوم بـ"ضرب عصفورين بحجر واحد" كما يقال في المثل الدارج. أجل! على المسلم أن يخطط على الدوام ويبرمج كيف يضرب بحجر واحد مئات العصافير، مثلما نرى في العديد من الإجراءات الربانية. فكما نحصل من بذرة واحدة نبذرها في الحقل على سبع، أو سبعين أو سبعمائة من البذور، علينا أن نخطط في كل خدمة نريد تحقيقها في سبيل الإيمان وفي سبيل الملة للحصول على سبع، أو سبعين أو سبعمائة ضعف. وهذا هو ما فعله موسى عليه السلام. فحسب ثقته بالله وتوكله عليه، لم يشأ أن يفعل ما فعله أمام أنظار فرعون وهامان فقط وخلف أبواب مغلقة، بل اختار مكاناً ووقتاً مناسبين وأمام أنظار الناس جميعاً. فاستطاع بذلك أن يسحب وراءه الآلاف، ومئات الآلاف.

وبينما يذكرنا القرآن الكريم بكل هذا، تقوم السنة النبوية بتعميق هذا الموضوع بمثال آخر,[1] فقد بين النبي صلى الله عليه و سلم أنه أريد قتل غلام لم يدخل في دين أحد الملوك. ألقوه من فوق قمة جبل عال، فرجع إليهم ماشياً. أرادوا أن يغرقوه في اليم فتخلص من أمواج البحر العاتية ورجع إليهم سالماً. ومهما حاولوا قتله فلم يفلحوا وتخلص الغلام في كل مرة. وأخيراً قال الغلام لهذا الملك الذي أراد التخلص منه إنْ أردتَ أن تقتلني فافعل كما أقول لك: (تجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهمَ في كبد القوسِ ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلتَ هذا قتلتني)[2]. هذا هو المنطق الصحيح للإيمان، فهو سيموت لا محالة في نهاية المطاف، إذن فعندما يذهب إلى الطرف الآخر، عليه ألا يذهب بشكل رخيص ودون مقابل. هذا هو الموضوع. منطق العمل في سبيل الله حتى في الرمق الأخير وهو على أعتاب اللقاء بالله. فإن قمنا بتقييم الموضوع من هذه الزاوية، رأينا أن مثل هذا التفكير والتخطيط يسبق ويتجاوز حتى الرغبة في الشهادة (مع كونها مرتبة عالية)، أي أن الإنسان يستطيع إفادة ملته ووطنه ودينه بخدمات - في عمقها الأخروي أيضاً - قد تتجاوز مرتبة الشهادة نفسها. وعليه أن يفكر على الدوام في الطرق التي يستطيع فيها الحصول على مثل هذا الكسب. ومثل هذا العمل قد يسبق الشهادة نفسها على ما أظن. أجل كان الغلام سينال مرتبة لو مات عند إلقائه من الجبل أو عند غرقه في البحر، ولكنه كان يكسب شيئاً واحداً فقط، كان يكسب مرتبة الشهادة في حياته الأخروية. أما في الشكل الآخر من الموت في سبيل الله وأمام أعين الناس بالكيفية التي شرحناها سابقاً فإنه أصبح وسيلة لإيمان مئات الناس.

لذا كان على الإنسان، ولا سيما المسلم أن يعرف قدر نفسه وكم هو مخلوق وكائن ثمين، وأن هذا الكون الهائل مخلوق من أجله، وأن كل شيء مسخر من أجله، لذا فعندما يرحل من هنا، عليه ألا يرحل بشكل رخيص، وأن يقول في نفسه: حسناً أنا راحل، ولكن هذه الدنيا التي أخلفها ورائي لابد وأن تصل من بعدي إلى الخط وإلى الأفق المتوافق مع سر الخلق، وعلى الموت أن ينقلب إلى مفتاح سحري بحيث عندما ينطفئ ضوء صغير يلتمع بدلا منه المئات بل الآلاف من الأضواء القوية.



[1] مسلم، الزهد 73
[2] الترمذي، تفسير السور 2/85.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri