(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً) [مريم: 5] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

ليس من الصحيح تفسير طلب زكريا عليه السلام ولداً من ربه وكأنه عدم رضا وكراهية للقدر الإلهي. لأنّ هناك أموراً مبنية على هذا الطلب. فزكريا عليه السلام أولاً نبي مرسل إلى بني إسرائيل. وكان بنو إسرائيل حتى ذلك اليوم يمثلون من قبل الأنبياء في أمور الدين والدنيا، ويكفي أن نتذكر سلوك وتصرف بني إسرائيل عندما اختير طالوت ملكاً وقائداً لهم (انظر سورة البقرة: 247). لذا فقد خشي زكريا عليه السلام ألا يعترف بنو إسرائيل بالشخص الذي سيأتي من بعده ولا ينقادوا له، وهذا يعني انفراط عِقْدِ الوحدة بين بني إسرائيل.

ونستطيع أن ننظر إلى هذه الآية من زاوية أخرى:

إن الإنسان ممتحن بكل أمر دنيوي. ونستطيع إعطاء مثال النبي إبراهيم عليه السلام والنبي زكريا عليه السلام. فقد كانت للنبي إبراهيم عليه السلام رغبة مكبوتة في نفسه، وهذه الرغبة ظهرت واضحة من فرحه ببشرى الملائكة له بالولد. أما زكريا عليه السلام فقد دعا ربه دعوة واضحة وطلب منه العقب ويورد القرآن هذا الدعاء. وحسب الحكمة الإلهية فقد أُمتحن هذان النبيان بابنيهما. كأن الطلب الخفي كان أهون لذا امتحن النبي إبراهيم عليه السلام بطلب ذبح ابنه. أما زكريا عليه السلام فلأن طلبه كان ظاهراً فقد امتحن امتحاناً اشد - وإن كانت عاقبته خيراً - وهو ذبح زكريا وابنه يحيى عليهما السلام من قبل قومهما. وشدة الامتحان متناسبة مع درجة القرب من الله. وهذان النبيان كانا من المقربين، لذا كان امتحانهما شديدا كل الشدة.

وفي هذه الآية نرى دعاء زكريا عليه السلام وطلبه ذرية تخلفه لخشيته البقاء وحيداً دون معاون أو نصير من أهله في أمور الدين والدنيا. لذا نرى سورة آل عمران وهي تسجل دعاءه (قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرّيةً طَيّبَة) [آل عمران: 38]

ويرد هذا الدعاء أيضاً في سورة الأنبياء: (رَبّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِين) [الأنبياء: 89]. أي طلب ذرية من صلبه يكون وارثاً له في النبوة وفي آل يعقوب.

ورسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم يقول : (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)[1]. أي أن الأنبياء لا يحملون أي هم من هموم الميراث لأولادهم أو لأقربائهم. لذا فالدعاء هنا من أجل ميراث النبوة. وقد قبل خير الوارثين هذا الدعاء واستجاب له بإحسان منه وفضل. وقد جعل الله تعالى - إظهاراً لعزته وعظمته - شيخاً كبيراً وامرأة عاقراً ستاراً لإحسانه وفضله.

ولكي يُشْعِرَ بأنه هو الوارث الحقيقي فقد استرجع بطريقة غير اعتيادية ما اعطاه بطريقة استثنائية وغير عادية.



[1] البخـاري، الاعتصـام 5؛ مسـلم، الجهاد 51، 52، 54، 56، الخمـس، 1 النفقات 3، فضائل الصحابة 12؛ الفرائض 3.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri