(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل : 90] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هذه الآية الكريمة آية جامعة تحتوي على ستة اسس منها اسس ايجابية، وأخرى سلبية.

العدالة نظام حيوي جدا في الدين، وعدها بعضهم احد الاسس الاربعة المهمة في الدين. وهذا المفهوم الذي يرد في القرآن وفي السنة الصحيحة تحت تعبير العبودية واحيانا العدالة مفهوم عام يرد اليه الكثير من الاشياء. فمثلا يمكن ارجاع جميع وجوه الخير المذكورة في هذه الآية من الاحسان وايتاء ذي القربى إلى العدالة. علما بان العدالة بمعنى العبودية ان لم تكن موجودة في الإنسان ومستقرة في المجتمع استقرارا صحيحا فلا يمكن توقع وجوه الخير الأخرى لا في الإنسان ولا في المجتمع. فلا احسان دون عدالة، ولا يمكن اسداء الخير لذي القربى من دونها، ولاسيما ان قرأنا التعريف المدهش للاحسان الوارد في الحديث النبوي الشريف "ان تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك".[1]

أي فالإحسان ان تكون عبد الله كأنك تراه. ولكن هذا الشعور والتفكير والتصور يجب أن يكون مبنيا على ايمان متين وراسخ، وان يتعمق هذا الايمان بالاسس الاسلامية لكي يستطيع شعور الإحسان إعطاء ما يؤمل وما ينتظر منه.

ان إيتاء ذي القربى، وبشكل اشمل عمل المعروف للناس جميعا، يعني انتشار مبدأ الاحسان وفلسفته. واذا قمنا بتحليل هذه الآية من هذه الزاوية نرى ان العدالة هي منبع الاحسان وقاعدته، والاحسان هو منبع الخير والبر وقاعدته.

واذا انتقلنا إلى الاسس السلبية نرى ان النهي الاول هو عن الفحشاء.

وقد يكون السبب في هذا ان الفحشاء هي بداية جميع المنكرات عند الإنسان كفرد وعند المجتمع ككل، لذا تم تقديمه. فكما يعلم الجميع ان اي مجتمع تسود فيه الفحشاء تبدأ جميع المنكرات الاخرى بالانتشار فيه واحدة تلو الاخرى فينحرف هذا المجتمع انحرافا كبيرا. لذا لا يمكن التقليل من خطورتها في اي وقت من الاوقات.

ومعنى المنكر هو إتيان ماحرمه الله تعالى واقترافه بشكل علني. وهو ياتي بمعنى العصيان على منظومة الحقائق الكونيه والتمرد عليها وهو شيء مردود في كل دين وفي كل امة وملة.

أما البغي فيعني تجاوز الحد. وتظهر هذه الخصلة السيئة في الحياة الفردية وفي الحياة الاجتماعية أيضاً في اشكال وصور مختلفة من ظلم الإنسان لنفسه إلى عصيان الوالدين، إلى رفع راية العصيان ضد الدولة والاخلال بطمأنينة المجتمع، إلى انكار الله تعالى والجحود به.

وكما رأينا في موضوع العدل والاحسان وايتاء ذي القربى والبر فان الفحشاء هي اساس ومنبع المنكر، والمنكر هو اساس البغي ومنبعه.

ولكن المذهب الحنفي يرى ان الواو هنا يفيد الجمع المطلق، بينما ثم العطف بحرف الواو في الآية الكريمة للصفات الايجابية وكذلك للصفات السلبية، لذا يجوز ان الترتيب والتقديم والتأخير قد لايكون واردا هنا. بينما يرى المذهب الشافعي ان الواو هنا يفيد الترتيب ايضا، ومن هذه الزاوية فان تسلسل السبب والنتيجة - الذي ذكرناه آنفا - قد يكون واردا ومثل هذا الارتباط قد يكون موجودا.

والخلاصة أن هذه الآية هي أجمع آية في القرآن الكريم حول الخير والشر كما قال ابن مسعود رضي الله عنه.[2] وهي تتضمن معاني يمكن شرحها في مجلدات.



[1] البخاري تفسير القرآن 31 ؛ الترمذي، الايمان 4 ، 2/ الايمان 37 ؛ ابن ماجه، المقدمة 9 ؛ مسلم، الايمان 57؛ أبو داود، السنة 16
[2] ابن جرير الطبري، (جامع البيان) في تفسير هذه الآية.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri