(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

معنى هذه الآية أن الله يطلب الأنفس والأموال الزائلة للمؤمنين مقابل بدائل باقية لا تزول!.. إنه يطلب أنفسهم وأموالهم لكي يعطي لهم مقابلها الجنة في الآخرة. ولكن كما يلاحظ فان الأنفس متقدمة على الأموال في هذه الآية. ذلك لأن النفس تكون أكثر أهمية في الآخرة ويأتي من بعدها المال المنفق في سبيل الله، والذي زاده هذا الإنفاق قيمة وثمنا. أي انني إن لم أدخل الجنة ولم أستطع الولوج فيها فماذا يعني المال الذي ليس إلا زينة بسيطة من زينات الجنة؟ لذا فالتعبير عن هذه الحقيقة يكون بتقديم النفس على المال هنا خلافا لما جاء في مواضع أخرى.

والحقيقة ان كل ما يبدو أنه ملك مؤقت للإنسان هو في الحقيقة ملك لله تعالى. فمنذ الوجود الأولي للإنسان وكذلك جميع الوسائل الضرورية المهداة لإدامة هذا الوجود ليس إلا لطفاً جبرياً وإحساناً. كما إن إظهار كل هذه الألطاف والهبات وكأنـها ملك عند صاحب الأمانة وتعطي له صلاحيات قانونية وحقوقية معينة للإفادة منها ليس إلا إحسانا ثانيا. أما القيام بشراء ماله وملكه وكأنه مال وملك خاص في يد صاحب الأمانة لكي يعطي بدل هذا المال والملك الزائل والفاني ألف ضعف فهو كرم فوق كل إحسان. هو كرم كبير بحيث أننا لو فرضنا عدم وجوده فإن أصحاب الأمانة إما أن يستعملوا هذه الأمانة الموجودة في أيديهم في إتجاه أهوائهم وشهواتـهم، فيخونون بذلك الصاحب الحقيقي للمال، أو تزول هذه الودائع وتفنى متى ما جاء أوان هذا الفناء فيخسر هؤلاء أفضل تجارة وأكبر كسب وأكثره بركة.

أجل، عندما يتحقق هذا العقد المتسم باللطف والكرم، يترك الأحياء الفانون أماكنهم ليصلوا إلى الوجود الأبدي. ويزول المتاع الدنيوي الفاني، لتحل محله النعم الخالدة في دار البقاء... ترمى الدنيا ذات العمر القصير تحت التراب، لتخرج سنابل جنات خالدات في عالم أبدي... تترك النفس رغباتـها ولذائذها بشكل متوازن، لتفوز في المقابل برضا الله تعالى. وفي أثناء تحقيق هذه المبادلة التي تتم ضمن إطار الإرادة الإنسانية الحرة يتم الإعتناء بإظهارها في شكل بيع وشراء أو كأخذ وتحصيل قسري.

إن مثل هذا الميثاق الممتد من الأزل ميثاق بشري وكوني عميق إلى درجة أنه ورد في التوراة وفي الإنجيل وفي القرآن وتكرر في هذه الكتب وتم التأكيد عليه وإن كان في أساليب مختلفة.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri