| (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) [المائدة: 97] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
يمكن تقييم هذه الآية من وجوه عديدة: 1) الكعبة في موضع القلب من هذه الأرض. وهي عمود نور يطوف حوله الانس والجن من مركز الأرض حتى سدرة المنتهى. وفي كل آن وحين يشتاق للوصول إلى حرمها البلايين من الأرواح الطاهرة المرئية وغير المرئية. لذا يمكن القول من هذه الزاوية فقط بأن الكعبة مسقط سـدرة المنتهى على الأرض. فكأن الله تعالى جعلها شارة تشير إلى الهدف مثلما تشير الضفيرة والشعيرة في البندقية(*) لذا نستطيع أن نقول بكل اطمئنان بأن وضع الكعبة كوضع وحدة مقياس، وأن وجود العديد من الأشياء ومنها الدنيا مبرمجة حسبها... أجل! فإن لم تكن الكعبة موجودة فقدت هذه الأشياء معانيها، لذا نرى في أحاديث نبوية عديدة بأن هدم الكعبة علامة من علامات القيامة.[1] ومعنى هذا هو: "إن إنهدام الكعبة يعني انقطاع آصرة الأرض مع السماء. ولا معنى لوجود دنيا لا ترتبط بالسماء. وما دامت الدنيا قد فقدت المقياس الذي يوصلها إلى هدف وجودها، إذن كان لزاماً عليها أن تنمسح من مسرح الحياة. اذن فالكعبة بـهويتها هذه هي الركن والمستند الوحيد لبقاء الدنيا وهي تؤدي بجانبها الملكوتي هذا مهمتها ووظيفتها هذه. أي لو فقدت الكعبة غاية وجودها في يوم من الأيام عادت ورجعت إلى أصلها. وأود هنا تقديم مشاهدة تؤيد هذه الحقيقة، وتعود هذه المشـاهدة إلى قطب من مريدي الإمام الرباني فنراه يقول: "كنت أطوف بالكعبة، وفجأة شاهدتـها وهي تتعالى نحو السماء... كانت تتعالى من جهة ومن جهة أخرى تشكو من عدم قيام الناس بوظيفة العبودية الحقة... أمسكت بطرف ستارها وتوسلت إليها أن ترجع" فهل رجعت بروحها وسرها وهل بقيت في مكانها أم لا؟ يصعب الإجابة على هذا السؤال دون وجود مشاهد من ذلك النمط والمستوى. ولا أظن أن الوضع الحالي يختلف عن ذلك. ولكننا نـأمل في اللطف الالهي الواسع. ومن يدري فلعل الوضع الأليم الحالي للمؤمنين ينبع من تعرض الكعبة إلى مثل هذه الاستهانة وعدم التوقير! 2) يستطيع الإنسـان أن يعيش الإسـلام في حياته الفردية والشخصية كذلك، ويمكن أن ينجح في أداء الفرائض المكلف بـها، ولكن لا يمكن أن يكون مظهراً للألطاف الإلهية بالمعنى العام وأن يمثل هذا المظهر بالمعنى الكامل إلا بالجماعة. والكعبة في موقع قَيُّوم مثـل هذا التجمع وتكويـن الجماعات وصيانتها والمحافظة عليها، اعتباراً من توجه ملايين الناس إليها في الصلاة وانتهاءً إلى قيامها بجمع الملايين في الحج والعمرة فتكون وسيلة وواسطة لتمتين شعور الجماعة وتقويتها وإدامتها. ويجب الا ننسى هنا حكمة كون الحج مؤتمراً عالمياً عاماً. أجل إن أداء الحج على وجهه الكامل يعد عقداً لمؤتمر عالمي للمسلمين. ولو كان للمسلمين هذا الشعور لكان من الممكن العثور على حلول لبعض مشاكل العالم الإسلامي. وإذا كان الحج لا يستطيع اليوم أداء هذا الدور فهذا ينبع من نقص الوعي عند المسلمين، والا فهناك مثل هذه الإمكانيات وهذه القدرة على الدوام في الحج. وهكذا يتبين أن الكعبة بامتلاكها هذا الوصف وهذه الميزة تعد قياماً للناس ومصدر قوة وقدرة للناس. 3) تعد الكعبة قياماً لكل مؤمن على حدة من ناحية قيامها بتقوية وإسناد قواه المعنوية. لأن كل مؤمن متوجه للكعبة يرى توجه الملايين من الناس - ومن ضمنهم مئـات الآلاف من الأوليـاء والأصفيـاء ومن الذيـن تفتحت قلوبـهم وعيونـهم على الحقائق - حجة بالغة ضد الشبهات التي قد تحوك في صدره فيصل إلى الراحة النفسية ويطمئن قلبه. بل يسـتطيع الإنسـان أن يسكت صوت النفس والشيطان في داخله الذي يوسوس في صدره بأن الكعبة لا تملك أي قدسية لأنـها ليست سـوى بناء من حجر وتراب. أجل! فهو يقوي إيمانه ويقول في نفسه إنه لو لم يكن للكعبة مثل هذه القدسية فهل كان في إمكانـها أن تكون مركز جاذبية واهتمام لمئات الآلاف من كبار المرشدين المعنويين والعبقريين؟. 4) وللكعبة - بوصفها قيـاماً للنـاس - علاقة وثيقة جداً بحركة الإحياء والتجديد أيضاً. ووحدة القياس لمعرفة مسـتوى تحقق حركة الإحيـاء هذه تتناسب طردياً مع فهمها لحقيقة الكعبة. فإن بلغ هذا الفهم الذروة في يوم من الأيام سيكون البعث والإحياء في الذروة ايضاً. والخلاصة إن الكعبة كانت على الدوام نور العيون وشـفاء الصدور ومنبع الحماسة والقوة. وبـها حافظ المؤمنون على التناغم بين الدين والدنيا وقامت على الدوام بمهمة التوازن في قلوب المؤمنين. والذين توجهوا لله توجهوا بـها إليه، وبـها تتم فريضة الصلاة والحج. وهي وما حولها ملاذ الذين يبحثون عن طمأنينة القلب وسـكونه. هي مؤنسة القلوب التي تئن من ألم الغربة، ومزيلة وحشتها. وفي الخط الموصول بين القلب وسدرة المنتهى هي المحراب وما وراء المحراب، وهي أفضل الأصوات وأغناها من ناحية المحتوى والمعنى... حيث تحول الى حجر وبناء في ابرك بقعة على الارض. ندعو الله تعالى ألا يحرمنا من وصايتها علينا. * الضغيرة والشعيرة: نتوءان فوق البندقية لتسهيل التصويب نحو الهدف. (المترجم). [1] مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة إلا...، 57، 58، 59. |
| < السابق | التالى > |
|---|



