|
أولاً يجب معرفة معنى السكينة جيداً. فالسكينة تأتي من الناحية اللغوية بمعاني الجد والوقار والثبات والاطمئنان أو بمعنى الآية أو المعجزة التي تريح الانسان، اي المعجزة التي عندما يراها الإنسان بعينيه ويشعر بـها بوجدانه يحس براحة وسكينة في روحه، أي أن السكينة تظهر بتجليات مختلفة ولها قابلية كبيرة على التمثل في صور مختلفة.
على أي حال فقد كانت بقية مباركة خلفها أنبياء عظام سابقون، وكانت النفوس تجد فيها السكينة والاطمئنان. ولما كانت السكينة في التابوت، فقد عد التابوت نفسه سكينة ووسيلة للتبرك. عد كذلك لان الملائكة - وهم أبطال هذه الحادثة - قاموا بحمله، مما أعطى للتابوت منزلة وقيمة كبيرة. كما أن تعظيم الملائكة للتابوت مثل هذا التعظيم يعلن ويدل على مدى قيمته المباركة. والسكينة المذكورة في القرآن والسنة هي تجل ملكوتي ذو صفة أخروية أي من العالم الغيبي يهبها الله تعالى لبعض الناس، فيعطى القوت والقوة للقلوب والنور للإرادة. قد تأتي هذه السكينة نتيجة أدعية أنصار الله، وقد تأتي فجأة ودون طلب، بل رعاية لحال معينة ولطفاً بها. اي هي نعمة وفضل تحف به الأسرار، بحيث يشعر من مُنحها ودخل في جوها شعور من دخل العالم الآخر وعاينه. وقال بعضهم في معنى السكينة انه نزول الملائكة، وقال آخرون انه قدوم المخلوقات الروحانية. وسواءً أكانت السكينة نزول الملائكة أو نزول المخلوقات الروحانية الأخرى من غير الملائكة، فانه ما أن تنـزل السكينة في مكان حتى تنزل المنة الإلهية أيضاً... تنـزل المنة الإلهية فتحيل جو ذلك المكان إلى جو مشبع بالطمأنينة بحيث لو انـهمر الموت في ذلك المكان لما تحرك من نزلت عليه السكينة قيد أنملة... هاكم مثالاً على هذا في وقعة الخندق التي زلزل فيها المؤمنون زلزالاً شديداً، والتي تلوى فيها المؤمنون أياماً في القبضة الحديدية للحصار، ولكنهم مع هذا بقوا أبطالاً صامدين. وهاكم مثال أبطال "أحد" الذين تحدوا الموت وتحدوا الزلزال الشديد الذي هز كل شيء من أساسه... لم تكن معركة "أحد" شيئاً هيناً أبداً، فقد استشهد فيها سبعون صحابياً وعلى رأسهم حمزة رضي الله عنه. ولكن عندما انجدهم الله وانزل عليهم السكينة زأروا زئير الأسد ولملموا جراحاتهم، وقاموا في اليوم التالي للمعركة بالخروج بسرية جديدة، حتى أن بعضهم كانوا يحملون إخوانـهم الجرحى الذين خرجوا معهم، وهم لا يكادون يستطيعون السير بسبب جروحهم، وبدأوا يتعقبون العدو. وعندما علم أبو سفيان بـهذا وتأكد لديه عزم هؤلاء على تعقبهم حتى مكة أسرع بإعطاء الأمر إلى جيشه بالرجوع والهرب إلى مكة لكي لا يضيع حصة النصر الضئيلة التي حصل عليها. ونظراً لخواص السـكينة التي ذكرنـاهـا أعلاه فقد أصبحت مطلباً في الأدعية وفـراداً. لذا نرى الرسـول صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام ينشـدون وهم يحفرون الخنـدق قبيل قدوم العدو ويقولون: (فانزلن سـكينة عليـنـا).[1] ولكن السكينة لا تنـزل ولا تتجلى لكل إنسان أو في كل قوم بالصورة نفسها. ففي نزول السكينة - التي يمكننا تعريفها بأنـها لطف من الله تعالى وهبة - يؤخذ على الدوام وضع الأفراد او المجتمعات بنظر الاعتبار. فقد تمثلت السكينة في بدر بالملائكة النازلين إلى ساحة المعركة. أما السكينة التي نزلت على أسيد بن خضير. وهو يقرأ القرآن فقد تجلت في شكل غمامة. وتمثلت السكينة التي نزلت على قلب الرسول صلى الله عليه و سلم وهو في غار ثور مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه بشكل اطمئنان قلبي وتوكل كلي على الله تعالى على الرغم من القلق الشديد لصاحبه عليه. وتجلت في الهجرة بشكل ثقة واطمئنان في قلب علي رضي الله عنه الذي نام في فراش الرسول صلى الله عليه و سلم وهو يعلم انه سيكون هدفاً للسيوف الحاقدة. أما بنو اسرائيل، فعلينا قبل كل شيء تثبيت الحقيقة الآتية، وهي أن اكثر ما يميز هذا القوم المعروفين تاريخياً هو أن السكينة قدمت لهم بشكل تلمسه اليد وتراه العين مراعاة لمشاعرهم وأفكارهم وخصوصيات حياتـهم وسلوكهم الخاص، أي قدمت لهم بشكل ملموس ومشاهد (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً). وورود أداة النفي "لن" هنا يعني انـهم وطنوا أنفسهم على عدم الإيمان بسهولة. ونحب هنا أن نستطرد فنقول كان من الصعب على النبي عيسى عليه السلام القيام بوظيفة النبوة بين هؤلاء القوم الذين يربطون كل شيء بما تراه أعينهم، لأنه كان يمثل الناحية الروحية. وكان لذلك حكمة إلهية، فنبوة عيسى عليه السلام التي غلب عليها الطابع الروحاني كانت تستهدف تعديل هذا الجانب المادي الصلب عند اليهود، وفي الوقت نفسه كانت تمهيداً لنبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم. وقضى النبي عيسى عليه السلام حياته محاولاً تحقيق رسالته هذه. حاول هذا وقدم رسالته إليهم حسب مستواهم. ولم يذكر لهم أي شيء يستغربونه أو لا يقبلونه بل قال لهم: (عندي الكثير مما أريد قوله لكم، وسيقوله لكم فارقليط عندما يأتي)[2]. لم يذكر عيسى عليه السلام لهم أي شيء يتجاوز نطاق تصوراتـهم وفهمهم ومستوى إدراكهم. ومع هذا حاول البعض من ضعاف الأخلاق - الذين أعمت المادية أبصارهم ولم يستطيعوا حتى هضم هذا وقبوله، لذلك فقد قام بعضٌ من أذناب البيزنطيين بمحاولة قتل هذا النبي الكريم. فلو نزلت السكينة على مثل هذا القوم بالطابع الروحاني الذي نزل على رسولنا صلى الله عليه و سلم وعلى علي رضي الله عنه وعلى اُسيد بن خضير رضي الله عنه لما استطاع هذا القوم فهم أي شيء منها. لذا نرى أن السكينة التي نزلت على مثل هؤلاء كانت ذات طابع مادي، وذات طابع قدسي بالشكل الذي يفهمونه، فكانت أمانات مقدسة من مخلفات الأنبياء يوسف وموسى وهارون عليهم السلام داخل تابوت كان قد فقد. يمكن تقييم مجيء السكينة داخل تابوت من الناحية الظاهرية ومن الناحية الباطنية كذلك. فمن الناحية الظاهرية: 1- يُظهر قدرة الله تعالى. 2- يزيد من ثقة النبي المبشر من اطمئنانه. أما من الناحية الباطنية فهي القوة والقدرة التي يأخذها اليهود من مثل هذه الحوادث التي تجري في أفق الخوارق والمعجزات. إلاّ أنّ قابلية الأفراد واستعدادهم لتلقي هذه السكينة يختلف باختلاف طاقاتهم الروحية. فالحصة التي يحوزها الفرد منها ذو الطاقة الكبيرة تختلف دون شك عن حصة الشخص الذي لا يملك مثل هذه القابلية والاستيعاب، والذي يعالج كل ما يواجهه من أحداث من زاوية النقد والتجريح. وقد يكون التابوت رمزا إلى أن هؤلاء القوم - في وقت ما أو عهد ما - كانوا أمواتاً من ناحية الأحاسيس والفكر والإيمان. أو أن تجسم السكينة في التابوت كان يرمز إلى بعث هذه الجماعة وإحيائها من جديد. ولهذا السبب كان النبي داود عليه السلام يضع التابوت في مقدمة الجيش، وينقله معه أينما ذهب.
[1] البخاري، المغازي، 29 ؛ مسلم، الجهاد، 123-125. [2] إنجيل يوحنا، الباب 14، خلاصة 15، 16، 26، 27؛ الباب 16، خلاصة 7,8. |