‏(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) [البقرة: 193] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

يمكن إيراد ما قاله الصحابي ابن عمر في أثناء الحوادث التي جرت بين عبد الله بن الزبير والحجاج بن يوسف الثقفي عندما أتى إليه رجلان فقالا له: (إن الناسَ صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه و سلم فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرّم دم أخي فقالا: ألم يقل الله "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله).[1]

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في العهد المكي - الذي يشكل اكثر من نصف عهد النبوة - يوصي المسلمين بان يكونوا متسامحين وليني الجانب حتى يأتي أمر آخر من الله تعالى. كل ذلك في إطار (اُدعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِاْلحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَن). وطوال ثلاثة عشر عاماً أو أربعة عشر عاماً قابل المسلمون جميع تصرفات المشركين المتسمة بالظلم والجور والحقد والنفور والاعتداء والقهر بالعفو والتسامح والمحبة. وبعد إخفاق تصرفهم هذا في تليين القلوب القاسية للطرف المقابل، تم الانتقال إلى عهد استعمال القوة وذلك لغاية واحدة وهي منع وإيقاف الاعتداء على الدين وقتل الأنفس البريئة وإذلال الأجيال القادمة.

أي العفو والصفح أولاً ثم الدفاع عن النفس. كان هذا ضرورياً لدين عالمي في عالم يدين بقانون القوة ويستعين بـها لإظهار الباطل حقاً. وكان ضرورياً لإيقاف أعداء الدين عند حدهم، وكذلك لضبط وتنظيم الميول وكذلك للْحَدِّ من نزوع النفس الأمّارة بالسوء نحو مقاتلة الآخرين والتسلط عليهم. كل هذه الأسباب كانت وراء إعطاء الرسول صلى الله عليه و سلم - الموصوف في الكتب السماوية السابقة بأنه "صاحب السيف"- الإذن بالجهاد والقتال. فكما تعلَّمَ كيف يقاتل تعلّم كيف يصالح, ولولا مثل هذه الدراية النبوية لم يكن بالإمكان السيطرة على نزاع النفس التي من طبيعتها القتل والعدوانية. لأنه عندما يجعل مشاعره هي الحكم عند بدء النزاع والقتال فلن يكون هناك هدف إلا إراقة برك من الدماء وإلا صنع "أبطال!!" حرب دمويين. ومن المعلوم طبيعة القرارات التي يصدرها هؤلاء. لذا قام القرآن الكريم والسنة النبوية بعلاج الثغرات وسدّ منابعها في الطبيعة البشرية وضبطها ووضعها ضمن نظام واضح المعالم، وسد جميع الأبواب المؤدية إلى الشرور والنابعة من الأهواء والنزوات البشرية، وذلك بوضع أساس واضح من الحروب الدفاعية أولاً ثم الحروب الهجومية متى ما توفرت الشروط والظروف الضرورية.



[1] البخاري، تفسير القرآن، 30؛ المعجم الأوسط للطبراني 1/134.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri