| (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة : 153] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.27 | |
|
الصبر يعني عدم اهتزاز حال المؤمن وعقله، والثبات وعدم الهلع عند الصدمة الأولى الداعية إلى المعصية والمؤدية إلى إثارة المشاعر والأحاسيس السيئة أو في اللحظة الأولى من سماع أوامر الطاعة والدعوة إليها. والحديث الشريف الذي يقول (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) يصور هذا المعنى. وإلا فان الصبر الذي يعقب الهزة والصدمة الاولى وبعد لباس العافية والأمن فليس صبراً بالمعنى الكامل. من المفيد هنا الإشارة إلى أمر، وهو أن اكبر صبر هو الصبر على طاعة الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه. ذلك لان الإنسان لا يصل إلى برج التوحيد ولا إلى افق العبودية إلا بالطاعة. وبعد هذه المرتبة يكون الإنسان مستعداً للخضوع لجميع ما يأتي من قبل الله تعالى. وهنا نريد أن نقول للذين عزموا على المضي في السياحة نحو الأبدية: إن كنتم عازمين على المضي نحو غاية تفوح من جوانبها كافةً رائحة الأبدية، فان الوصول إلى مثل هذه الغاية يحتاج إلى سلوك طريق طويل وشاق. وحسب قاعدة "بقدر الكد تكتسب المعالي" فان الطريق نحو الذرى يمر من الجبال والأودية والقمم، ويتعرض سالك هذا الطريق إلى العديد من المصاعب والمشاق. لأن هناك في داخل الإنسان نفساً أمارة بالسوء معرضة ومفتوحة لوساوس الشيطان وإيحاءاته وغواياته، وفي خارج الإنسان هناك الملحدون والمنكرون والظالمون الذين يقومون بشتى أنواع الظلم والبغي والهجوم والغدر. وهكذا فستعيشون على الدوام في أزمات مادية ومعنوية، تحاولون التحمل وانتم تصرون على أسنانكم، وفي الوقت نفسه قد تضطرون إلى تهيئة الأجوبة لكثير من الأمور التي تأتي من اليمين ومن الشمال في كل آن. فان لم تكونوا مستعدين لهذا ومسلمين من الناحية الروحية والجسدية، ولم تكونوا قد تدربتم تدريباً جدياً ورضتم أنفسكم الرياضة المعنوية المطلوبة وبالمقياس المطلوب ضعتم في هذا الطريق وتهتم، ولم تستطيعوا مواصلة السير فيه، أو هو يتم في وادٍ من الوديان المعنوية المخالفة لأفكاركم الأساسية ولمشاعركم. الحصن الأول تجاه هذه المخاطر المحتملة هو الاعتصام بالصبر، لأنه سيكون الأرضية الصلبة التي لا تزل عليها أقدامكم. إن قدر النجاح يخطط تحت مظلة الصبر، وبلوحة الصبر يتوضح مفترق طريق الخير وطريق الشر. كما لا تتحقق العبودية الحقة لله تعالى إلا بعلاج الصبر ومنشطاته. وبالصبر يمكن الصعود إلى مراتب حقائق الإيمان والإسلام والإحسان. وإذا كان للإنسان هدف طوال حياته للانتقال من الإيمان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المحبة وإلى المخافة، ويريد تذوق طعم الأذواق الروحية والوصول إلى الوصال الحقيقي... إن كان له مثل هذا الهدف عليه أن يتزود بزاد الصبر الذي يكون سند قوته ومنبعها وصاحبه الذي لا يفارقه. فان فكرنا في أنواع الصبر، عرفنا انه الفقرة أو المادة الأولى في الوصفة المكتوبة لرقي بني الإنسان. إن الصلاة - التي تحوي على تمرين على الصبر أيضاً - أهم وسيلة لاستقرار الإيمان وتصفية الروح والوصول إلى صحة الجسد، واهم وسيلة في التفاهم والوفاق والتلاحم الاجتماعي، وهي أوضح ظاهرة لكيان الأمة. وهي رأس جميع العبادات، وطريق وخط سفينة الدين، والسلم النوراني لمعراج القلب. وكل من جعل إيمانه جزءً من طبيعته بالصلاة وأداة ينقي بـها روحه ويصفيه ويوسع ويعمق حياته القلبية، ويشعر في جوها الدافئ اللين بأنه ضمن أمة كالبنيان المرصوص... كل من وفق إلى هذا استطاع بسهولة تجاوز جميع مصاعب طريق العبودية والوصول إلى هدفه. |
| < السابق | التالى > |
|---|



