|
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّـَةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [البقرة: 150] بعد وصول الرسول صلى الله عليه و سلم المدينة وتشريفه لها، قضى 16 أو 17 شهراً وهو يتوجه في صلاته نحو المسجد الأقصى. وكانت الكعبة في تلك الأيام مملوءة بالأصنام والأوثان طبعاً. ولما كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أرسل بدين التوحيد وعدم إبداء أي اهتمام نحو الاصنام، لذا مُنع فترة معينة من التوجه في صلاته نحو الكعبة لكي يُظهر موقفه القطعي والأكيد نحو الأصنام. والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين الحقيقة الاحمدية وبين حقيقة الكعبة وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يشعر - حسب فطرته التي فطره الله عليها منذ الأزل - بـهذا، ويود التوجه نحو الكعبة ويحن إلى هذا، وهذا التوجه والحنين شرحه القرآن الكريم: (قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهكَ فِي السّمَاء). أما هدف الرسول صلى الله عليه و سلم من تقليب وجهه في السماء فهو رغبته أن يضع الله تعالى حكماً جديداً في موضوع تحويل القبلة. أجل! كان ينتظر نبأَ من السماء لذا نرى أن الآية في عقبها تبلغه البشارة (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرضَاهَا). والظاهر انه من الصعب فهم هذه الحقيقة. ولا يفهمها إلا شخص كالرسول صلى الله عليه و سلم الذي كان يدرك هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين الكعبة حق الإدراك بفطرته. أجل! كانت لحقيقة الكعبة علاقة وثيقة به. ولكن كانت مسألة التوحيد التي هي سبب بعثته أهم بكثير جداً من قدسية الكعبة ومن كونـها قبلة للصلاة. لذا توجه الرسول صلى الله عليه و سلم في مكة في صلاته نحو المسجد الأقصى واستمر على هذا مدة اخرى في المدينة كذلك. أما يهود المدينة فانـهم بدأوا يدعون- انطلاقاً من كون قبلة المسلمين نحو المسجد الأقصى - بأنـهم هم الأصل وأن المسلمين تابعون لهم لكي يجعلوا من هذا الموضوع حجة لدينهم. ولو شاء الرسول صلى الله عليه و سلم لحول القبلة إلى الكعبة عند أول وصوله إلى المدينة. ولكنه لم يكن يتصرف بمشيئته وبرغبته، بل كان على الدوام متعلقاً بالله مخلصاً له في كل شأن من شؤونه ينتظر الأوامر منه، مرجحاً هذه الأوامر على رغبات قلبه، فقد كان إنسان الذروة يستشرف أبعدَ الأفاق الانسانية إلاَّ أنه لم ينسَ كونه عبداً رسولاً يأتمر بأمر الله تعالى. كما أن الرسول صلى الله عليه و سلم قام - بتوجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى - بإشعال نور الهداية في قلوب العديد من اليهود أمثال عبد الله بن سلام. ويحتمل أن صفة الرسول هذه كانت مذكورة في كتبهم. على أي حال فقد كان هناك بعض اليهود الذين اهتدوا إلى الإسلام. وبعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً من هذا التوجه شطر المسجد الأقصى تم المقصود، ولم يبق في يد هؤلاء الناس أي دليل يستطيعون استعماله ضد المسلمين. أي لم يعد بمقدور المشركين القول: "انتم تتوجهون نحو الكعبة المملوءة بأصنامنا، إذن فان ديننا هو الأصل!" ولا بمقدور اليهود القول: "انتم تتجهون إلى قبلتنا، إذن فديننا هو الأصل". في مثل هذا الجو جاء الأمر الإلهي بالتوجه شطر المسجد الحرام فحقق الوصال بين ذات الرسول صلى الله عليه و سلم وذات الكعبة المشرفة. وهناك إشارات في العهد القديم فيما يتعلق باشعيا عليه السلام تومئ إلى أن الأحداث ستجري كما جرت، لان بعض اليهود كانوا يقولون بناءً على هذه الإشارات: "إن قبلة النبي القادم ستكون إلى مكة. أما محمد فلا يزال متوجهاً في صلاته نحو بيت المقدس". وهذا يلقي الضوء على بعض جوانب هذا الموضوع. (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم) أي أن توجهكم في الصلاة شطر المسجد الأقصى كان نعمة، ولكن النعمة الأصلية الكبرى كانت في لقاء الأحبة. أي إلتقاء الرسول صلى الله عليه و سلم - الممثل للأمة الإسلامية - إلتقائه الكعبة، ومن هناك العروج فيما بعد إلى سدرة المنتهى ليحظى بالنعمة الإلهية وجهاً لوجه، وهذا يمكن فقط بالتوجه شطر الكعبة. وهكذا يكون الله تعالى قد أتم نعمته، وهو شرف اختص به الله هذه الأمة التي اسبغ عليها رحمته. |