‏(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)‏‎ ‎‏[البقرة: 144] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

أول ما نلاحظه في الآية ذكر الرضا مع تحويل القبلة إلى الكعبة. وقد يتساءل البعض عن العلاقة بين ذكر الرضا مع تحويل القبلة ‏لكي يتم استعمال مثل هذا الأسلوب.

وكما سنذكر بإيجاز عند تناول شرح نكت الآية رقم 150 من سورة البقرة فإننا بتناول هذه الآية من زاوية تصوفية نرى ‏وجود علاقة وثيقة بين "الحقيقة الأحمدية" وبين "حقيقة الكعبة". وأوجز إيضاح لهذا هو ما قاله بعض المتصوفة بأن حقيقة الرسول ‏محمد صلى الله عليه و سلم وحقيقة الكعبة توأمان خلقا معاً في عالم الاحتمال.‏

كان المسجد الأقصى في عهد معين في مكة وفي المدينة هو القبلة بسبب حكم عديدة. لذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم ‏ينتظر يوم وصاله مع مكة والتوجه نحوها بلهفة وبفارغ الصبر، يفوق في شوقه شوق العاشق لمعشوقته، ويبث ما يعتلج به فؤاده إلى ‏الله. والحقيقة انه صلى الله عليه و سلم مثل سائر الأنبياء كان - ولا مشاحة في المثال - كطائر أخروي لا يقف تطلعه عند حدٍّ ‏حتى في العالم الآخر كلما علا وارتفع تطلع الى الأعلى والأرفع بحيث يستغرق ذلك إهتمامه كُلّهُ. فقد عرج إلى الأعلى حتى وصل ‏إلى سدرة المنتهى وكان قاب قوسين أو أدنى منه، وأتم سياحته في عوالم أخرى دون أن تحول دونه أي قوة جذب أو أي شيء ‏آخر، ودون أن يصاب بالدوار أو يزيغ بصره. وكان هذا عمقاً آخر في عظمته.‏

أجل! كان هذا النبي الكريم سيد الإنس والجن الذي ساح في مثل هذه العوالم، والذي كانت أجنحة الملائكة مفروشة تحت ‏قدميه يرنو ببصره إلى السماء ويخاطب ربه طالباً منه تيسير اجتماعه مع حقيقة الكعبة ومتسائلاً بكل لطف ونزاهة: متى يا رب؟ ‏وعندما حقق الله تعالى رغبته هذه كان من الطبيعي أن يرضى، لذا قال له ربه (فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وكان هذا يعني في الوقت ‏نفسه رضا ربه عن هذه القبلة التي اختارها له.‏

وبهذا المحراب الجديد رجع المسجد الأقصى خطوتين إلى الوراء - مع الاحتفاظ بكامل مكانته المباركة المتميزة - ليكون هذا ‏البيت العتيق الذي لا تبلى مكانته في القلوب هو مطمح النظر الإلهي في فترة كانت البشرية فيها متهيأة للانطلاق نحو عهد فكري ‏جديد ونحو عهد عقيدة جديدة، ولكي يشع نوره ويفشي سره إلى توأمه الرسول صلى الله عليه و سلم وإلى المؤمنين المنطلقين في ‏إثره ولكي يحتضنهم بحرارة لم يحظ بـها أحد من قبل، ولكي يتم عيش المبدأ والمنتهى معاً للمرة الأولى وللمرة الأخيرة أيضاً.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri