|
(وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ) [البقرة : 114] |
|
|
|
كتب فتح الله كولن
|
|
2006.09.27 |
|
إن حصرنا معنى هذه الآية بسبب نزولها وقلنا إنـها تشير إلى النصارى الذين كانوا يمنعون الناس من الوصول إلى بيت المقدس واستخرجنا منها هذا المعنى نكون بذلك قد ضيقنا واسعاً. لأن سبب النـزول يعد خاصاً، أما الحكم فيكون عاماً وذلك في العديد من الأمور. إذن فإن الذين حاولوا صلب المسيح عليه السلام سواء في ذلك العهد أو فيما بعد يعدون اظلم الناس. كذلك الذين وقفوا بوجه الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديبية ومنعوه من دخول الكعبة والذين ظاهروهم عليه يعدون كذلك من أظلم الناس. وكذلك من يعطل الجوامع ومساجد الله. فمن يتدخل في الحياة الدينية للناس إلى درجة وضع الحظر على المساجد هم أيضاً من أظلم الناس... الخ. وما دام القرآن كتاباً كونياً إذن يجب تناول هذه الآية وتفسيرها من جميع هذه الأوجه، فهذا هو الأنسب والأكثر ملاءمة لروح القرآن.
يجب القيام بتقييم كل شيء حسب قيمته الذاتية، فهذا هو ما يستلزمه الحق والحقيقة، لذا كان من الظلم تقييم أي شيء دون أو فوق قيمته الذاتية. لذا كان الإفراط في التقليل من قيمة الشيء أو الإفراط في إعطائه قيمة أكثر من حقه ظلماً كبيراً. لذا كان الشرك بالله من كبائر الظلم وعظائم الانحراف, وكان هدم المساجد أو غلقها وهي أماكن ذكر الله حيثُ منها تنطلق الدعوة الى توحيد الله والتصدي للكفر والالحاد يُعدّ ظلماً يلي في ظلمه ظلم الشرك بالله. ولا شك أن مثل هذا الاعتداء على المسجد الأقصى يعد ظلماً أكبر من الظلم الموجه للمساجد الأخرى، ويكون الظلم أكبر لو كان هذا الاعتداء موجهاً للمسجد النبوي، أما إن كان موجها للمسجد الحرام فهو ظلم وكفر وإلحاد خارج حدود التصور. فإن نظرنا إلى هذه الآية التي نزلت في حق المسجد الأقصى من هذه الزاوية علمنا المعاني التي تحتويها الكلمات المختارة بكل عناية في هذه الآية. ثم إن الكلمة هنا لم تأت بصيغة المفرد ، أي لم تأت بصيغة "مسجد" بل بصيغة الجمع "مساجد" مما تومئ إلى عموم المسألة. ومن هذا المنطلق نعلم أن شاهبور وبختنصر نالا نصيبهما من الظلم والإثم باعتدائهما على المسجد الأقصى، وكذلك أوسباسيونوس وتيتوس. إن جميع الظالمين في الشرق أو الغرب من المتجاوزين والمعتدين على حرمة المعابد سيطالُهُمْ هذا الإثم والظلم. أما القوة الغاشمة التي ستهدم الكعبة والروضة المطهرة قبيل يوم القيامة [1] فسترتكب ظلما يسجل على جبينها بحروف لا تمحى أبداً.
[1] عن ابي هريرة t عن النبي r قال: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة. البخاري، الحج، 49؛ مسلم، الفتن وأشراط الساعة، 57، 58، 59، وانظر أيضاً: المسند للإمام أحمد، 1/228. |