‏(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اْلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا ‏ مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة : 30] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

كانت الملائكة قد علمت هذا بالعلم الخاص الموهوب لها. وهذا يعني اطلاعهم - بمقياس ما - على لوح المحو والإثبات. ففي ‏العلم الإلهي لا يوجد هناك علم بالأول ثم بالآخر، ولا علم بالجنين ثم بالإنسان الكامل، ولا بالالكترون ثم النواة... الخ. لأنه علم ‏يحيط بكل شيء في اللحظة نفسها. لذا فعندما نقول في موضوع أخذ العهد والميثاق بان الله اخذ العهد والميثاق في عالم الأرواح أو ‏في رحم الأم. فهذا قول صحيح إلا انه ناقص ومحدود. وربما كان من الأفضل القول أنه لا يزال يأخذه، لأن عالمنا متغير في كل ‏حين، أما بالنسبة للحق تعالى فالتغير غير وارد في حقه. والحقيقة أن قول (جددوا إيمانكم بـ"لا إله إلا الله") لا يمكن فهمه إلا ‏عندما نفهم فكرة أخذ العهد والميثاق ضمن هذا العلم المحيط بما كان وبما هو كائن وبما يكون.

والآن لنعد إلى موضوعنا مرة أخرى:‏

كانت الملائكة قد اطلعت من لوح المحو والإثبات على أن الإنسان سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، لذا استفسروا هذا ‏الاستفسار، مثلما نقول عندما نقابل أناس سوء: لماذا خلق الله أمثال هؤلاء؟ ومن المحتمل أن الملائكة لم تطلع ولم تحط علما بخروج ‏الأنبياء والأصفياء والأولياء "الذين يعدون شموس الإنسانية وبذورها" من بين الناس، ولهذا ألم يقل الله تعالى جواباً لهم (إني أعلَمُ مَا ‏لاَ تَعْلَمُونَ)؟

إن مثل هذه الخلافة المهداة من الله تعالى للإنسان كما يمكن حملها على أساس أن الله تعالى أعطى للإنسان حق التدخل بنسبة ‏ما وبمقياس ما في جميع مناحي الوجود والحوادث، يمكن حملها أيضاً وتفسيرها على دوره في التعيين والتأثير على العلاقات بين الناس ‏وبين الأمم. ومثل هذا الامتياز والهبة تعني السماح للإنسان في العمل والتصرف في كل شيء تصل إليه يده نيابة عن الله وباسمه ‏ونائباً عنه... يكون فرشاته في عملية تذهيب كتاب الوجود... وبستانياً في بستان الكرة الأرضية، وعاملاً تحت إرشاداته في جميع ‏شؤون الدنيا وأي رأي أو فكر حول أن الإنسان مالك أو صاحب حقيقي لأي شيء يعد تخطياً للحد وجهلاً.‏

لذا نجد أن الله تعالى يقول "إني جاعل" بدلاً من "إني خالق" أي أنه في موضوع الخلق الأول تناول عملية الخلق ليس بذاته, بل ‏من قبل صفاته، أي كأن جعله خليفة بناء وتشكيل من الدرجة الثانية, ليس أصالة بل نيابة كمراقب وناظر، أي أنه أودع فيه هذه ‏الخلافة ليس كطبيعة أولية في خلقه، بل كصفة موجودة فيمن يحقق في نفسه شروط هذه الخلافة في الأرض. من المحتمل أن أحد ‏الأمور الموجودة خلف قيام الملائكة بالاستفسار "أو بالأصح بالاستعلام" الخشية من اختلاط الأمور المعمولة نيابة بالأمور المعمولة ‏أصالة. مما جعل لوجود الخير بجانب الشر ووجود نوى البـر بجانب نوى الاثم، ووجود القلب والإرادة والأحاسيس والمشاعر ‏الطيبة والوجدان والضمير بجانب مشاعر الكره والشهرة والغضب والطمع... الخ أي لوجود نظام نفسي مركب في فطرة الإنسان ‏وفي أغوار ماهيته دورٌ في هذه الملاحظة الظاهرية للملائكة. وهذا ظاهر في الجواب الإلهي لهم (قال إني أعلْمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، وهذا ‏الجواب يشير إلى أن هذا الموضوع موضوع عميق لا يحيط به الملائكة علماً، ويشير من جانب آخر إلى قبول الله تعالى عذر الملائكة ‏في عدم الإدراك هذا.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri