|
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 25]
إن آية (وأُتُوا بهِ متشَابهاً) تشير إلى مشابهة من زاوية نيل النعم والألطاف، وحسب تشبيه الأستاذ سعيد النورسي فهذه النعم المتشابهة قد تكون من ألطاف هذه الدنيا، أو من ألطاف الآخرة. فمثلاً يحمد الإنسان في هذه الدنيا أي يقول "الحمد لله" فيجد هذا الحمد بشكل ثمرة في الآخرة. أي أن كل تكبير وتسبيح وتهليل هنا هو بمثابة نوى وبذور منثورة ومزروعة في التربة تنتج نعماً مختلفة في الجنة. ولكن يجب الإشارة إلى شيء مهم في هذا الصدد وهو أننا لا نعرف العلاقة بين هذين الشيئين معرفة تامة. والحقيقة أننا ننظر إلى كل شيء ضمن دائرة الأسباب، فنبقى تحت تأثير الأسباب عند قيامنا بالتحليل والتركيب الفكري. غير أن هناك أموراً عديدة تحدث في دنيا الأسباب هذه بحيث تقوم بإظهار هذه الحقيقة التي تذكرها هذه الآية أمام عيوننا بكل قوة. فمثلاً لم يقم أحد بحصاد الشعير من مزرعة زرعها بالحنطة مع أنـهما من الصنف نفسه. ولا نقطف الكمثري من شجرة التفاح، ولا التين من أشجار العنب. كان الرسول صلى الله عليه و سلم يأتيه الوحي، ولكن بينما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يفهم ما يقوله جبريل عليه السلام لم يكن القريبون منه يسمعون شيئاً حتى ولا شيئاً كأزيز نحلة. وكذلك نزول الله تعالى في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا... ومئات من الأمور الأخرى... فهل نستطيع أن نقول أننا نفهم مثل هذه الأمور في إطار "السبب - النتيجة"؟ أجل فكما قال الإمام الغزالي فإننا لا نستطيع أن نفهم بعقولنا الدنيوية أي بـ "عقل المعاش" - أي بعقولنا التي نستعملها في معاشنا - مثل هذه الأمور المتعلقة بالآخرة فهما جيداً. ولكن عندما نُجهز في الآخرة بـ "عقل المعاد" عندئذ نستطيع فهم العلاقة بين قول "سبحان الله" وبين تناول ثمرة الجنة، لأن كل شيء يجري هناك حسب قوانين غيبية وميتافيزيقية، ونرى ونفهم بكل وضوح العلاقة السببية بين المكافآت والنعم الموجودة هناك وبين العمل هنا. أجل... إن القوانين الفيزيائية الموجودة هنا لا تكون سارية هناك. فمثلا يقول الرسول صلى الله عليه و سلم بأن صلاتنا ستكون أنيسنا وجليسنا وصديقنا في القبر، وان الإنسان يدخل الجنة من أبوابها الثمانية المختلفة، وأن القرآن يتمثل ليكون شفيعاً لقارئه. والآن لنأت إلى الآية... يقول فخر الدين الرازي بأن هذه الأمثلة تُعطى في القرآن الكريم لكي يتم فهم المسائل بشكل أفضل، وليس هناك من شيء مستبعد. أما الماهية الحقيقية للشيء فستظهر بكل خطوطها وتفاصيلها الحقيقية هناك، وعند ذلك يقول المؤمنون من أصحاب الأعمال الصالحة، "لقد رأينا هذا الشيء في الدنيا" أو "رأيناه قبل قليل في الجنة". أجل، إن نعمة ما هي إما ثواب عمل ما، أو تمثل ذلك الثواب. أو أن الألطاف السرمدية هناك هي سنابل لبذور العمل الصالح هنا. لذا فهما بهذا الاعتبار متشابهتان من الزاوية الداخلية. أما باعتبار أبعاد الجنة فهناك فرق هائل بينهما يسع الدنيا ويتجاوزها، لأن إحداهما ثمرة للحكمة والأخرى ثمرة للقدرة.[1] إحداهما تحمل صفة السرمدية، والأخرى مؤقتة وزائلة. إحداهما تملك أبعاد لذة سرمدية، والأخرى أبعاداً جسدية. إحداهما إحسان بدرجة "عين اليقين"، والأخرى لطف رحماني في ذروة "حق اليقين".
[1] ذلك لان الدنيا دار حكمة والآخرة دار قدرة (المترجم). |