مقدمة المؤلف طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

القرآن هو الضوء اللامع للكلمات والحروف في عالم الأزل والأبد. هو صوت الملكوت الذي يخاطب فكر الإنس والجن. ‏وعندما يتحول إلى لؤلؤة خارقة الجمال داخل صدفة لامعة، يرى فيه أبطال البلاغة والأدب جمالا لا يبهت، وحسنا لا يزول. ‏وسيبقى هذا الكون الكبير - الذي هو معرض للجمال والفن والألوان الالهية المتناسقة والمتناغمة- موطن وبلد الخوف والرعب ‏تجول فيه العفاريت والأرواح الشريرة، مع أنه - أي الكون- يعد كتابا يفشي كل سطر فيه سرا من أسرار الملأ الأعلى، وستبقى ‏سطور هذا الكون وأوراقه مبعثرة ومتشتتة حتى يأتي اليوم الذي يتحول فيه القرآن إلى نور ينهمر على وجه هذا الوجود. ويُجمع ‏الناسُ - عدا أصحاب الأفكار المسبقة- أنه عندما أشرق القرآن كشمس ساطعة زالت الغيوم السوداء التي كانت تجثم على الدنيا، ‏وظهر الوجه الضاحك للوجود، وانقلبت جميع الأشياء إلى فقرات وجمل وكلمات لكتاب مؤنس ومبهج لقارئه. عند سماع صوته ‏انهمرت الأنوار على عيون القلب، وبدأت المشاعر التي فارت في الأرواح، والألسنة التي أصبحت ترجمانا لهذه المشاعر بإنشاد ‏أناشيد النور.

أجل!... فاعتبارا من اليوم الذي أضيئت به العيون والقلوب، كم من لغز في الكون كان ينتظر الحل منذ آلاف السنوات، وكم ‏من مشاكل معقدة متداخلة بعضها مع البعض الآخر كانت تنتظر الحلول حلت الواحدة منها إثر الأخرى، وظهرت العلاقة ‏الصحيحة بين الإنسان والوجود والخالق واضحة وضوح البدر التمام، ولبست كل الألغاز والمعميات لباس المعاني وانتظمت في ‏مدارات الحكمة.‏

القرآن هو قمة الفكر المتين والصحيح، وأساس التعبير الدقيق، وقاعدة للتعبير المنطقي. وكما كان هذا الفرقان العظيم سيد ‏الكتب السماوية وغير السماوية كان المخاطب الأول له سيد الأنبياء والمرسلين. الكتب السابقة جاءت لكي تضع إشارات على ‏طريقه وأعلاما، أما الكتب التي جاءت بعده فلكي تقوم بشرحه ووضع الهوامش والحواشي كل حسب خريطة روحه وغنى ذلك ‏الروح. عرفه من قبله بصورته التي بشر بها الأنبياء هذه الرسالة، وعرفه الذين جاءوا من بعده بصورته المنزلة الملموسة، ورأوا التأثير ‏الكبير الذي أحدثه، والانقلاب العظيم الذي حققه، فانحنوا أمام بلاغته التي لا تضاهى، واعترفوا بأنه سلطان الكلمة والإعجاز ‏البلاغي. وعندما كان القرآن يتنزل إلى الدنيا بموجات مختلفة من الأنوار لم يصرف أصحاب القلوب النيرة نظرهم عنه أبدا، ولم ‏يلتفتوا عنه، بل ارتبطوا به بكل جوارحهم وأرواحهم... أجل!... بينما كان ينزل من السماء كشلال ليملأ القلوب العطشى، فتح ‏أصحاب القلوب الواعية صدورهم له ولم يضيعوا قطرة واحدة منه.‏

استطاع هذا القرآن أن يوصل صوته إلى أبعد زاوية من زوايا الدنيا في قفزة واحدة، وأن يسكت كل أصوات الشؤم، وأثار في ‏كل قلب يبتغي الحق ولا يملك فكرا مسبقا عواطف جياشة كأنها أصوات خرير الكوثر، وأطفأ في القلوب التي فتحها نيران الهجر، ‏وفجر في كل روح أمل الوصال والشوق إليه. الطبائع الباردة تحرك به نبض الحرارة، أما القلوب المتولهة برغبة الأبدية والخلود فقد ‏أنست به وأطمأنت إليه.‏

وإذا كان هناك من بقي جديدا ونضرا على الدوام في هذه الدنيا الفانية التي يقدم فيها كل جديد ويبلى فيها كل نضر، ويبهت ‏فيها كل لون، فهو القرآن. فهو الكتاب الوحيد الذي استطاع أن يقف منذ نزوله في وجه جميع الأعاصير والعواصف التي هبت، ‏والأمطار والثلوج التي سقطت، وفي وجه جميع الظروف القاسية التي ظهرت وبدت أمامه، واستطاع أن يحافظ على أصله ككتاب ‏سماوي وحيد دون تغيير أو تحريف. لذا فما أن يرتفع صوت القرآن من حنجرة قارئ حتى نشعر وكأنه نزل الآن من السماء وكأننا ‏مدعون إلى وليمة الهية آتية من الجنة، وعندما ينثر اللآلي تشعر القلوب المؤمنة أنها قد سمت واستغنت عن جميع ثروات الدنيا. القرآن ‏قلادة بيان منظومة من الكلام الالهي، وفيض من العلم الذي يشكل الحدود النهائية للإدراك البشري، وخارطة لكل الوجود ‏مرسومة ومزينة ومحاكة بالحرير اللاهوتي. عندما يسمع صوته في اي بقعة يبدو كل كلام وكل تعبير آخر نوعا من الضوضاء لا ‏غير. وفي البقاع التي ترتفع فيها أعلامه يغمر النور قلوب المؤمنين، وتنزل الحجارة على رؤوس الشياطين، ويعيش الربانيون هناك ‏أعيادا دائمة.‏

ربط الله تعالى رب العالمين ذو القوة المتين سعادة الدارين بإرشاده وتوجيهه. فلا يمكن الوصول إلى الهدف من دونه، ومن يستغني ‏عن إرشاده ووصاياه ولا يلتجئ إليه يضيع في الطرق ويتيه. هو آخر وأكمل كلام يهدي من اتبعه وسار في إثره، ويوصله إلى الغاية ‏والهدف. ومع أنه يُتلى بكل سهولة صباح مساء فلا يُستطاع الإتيان بمثله. ومن يستمع إليه بأعماقه يشعر أنه قد سمع كل ما يجب ‏سماعه, وأصوات هؤلاء تتداخل على الدوام مع أنفاس الملائكة.‏

حتى نزوله وتشريفه للأرض كان كل نبي يشعل مشعل الهداية التي يحملها من مصدر نوره وضيائه، وحول الصحارى القاحلة ‏حوله بقطرات قليلة منه إلى جنان وارفة الظلال.‏

بل إن العصور المظلمة التي جال فيها ظله أصبحت عصورا ذهبية. اما العصور التي تعرفت به عن قرب وعاشته فقد تحولت إلى ‏ما يشبه الجنة. من وهب نفسه له سما إلى مرتبة الملائكة، وأصبح كل ما في الكون من أحياء وجماد أليفا عنده.‏

من فهم القرآن حق الفهم تصبح البحار الواسعة كقطرة ماء، ومن تنور بنوره تتحول الشمس تجاهه إلى مجرد شمعة. أنفاسه التي ‏نشعرها في أعماق قلوبنا يحييها، وضياؤه الذي يغمر الأشياء يجعل كل موجود برهانا للحق تعالى. من يصله صوته - وإن كان في ‏أبعد أرض وأخفاها- دبت فيه الحياة وكأنه سمع صور اسرافيل. والقلوب التي تستمع لصوته وبلغته الخاصة به يتوثب حركة ويحيا ‏‏(هَذَا بَصَائِرُ للنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ) ‏(الجاثية: 45/20‏). أجل هو بصائر ورحمة للذين لم تمت قلوبهم.‏

لم يكن القرآن في اي يوم من الأيام - مثل غيره من الكتب- كتابا بقي ضمن اطار زمن أو مكان معين من طفولة الإنسانية. ‏بل هو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الأزمنة والأمكنة، وتلبي جميع المطالب الإنسانية بدءً من العقائد وانتهاءً بأصغر ‏الآداب الاجتماعية. وهو يستطيع حتى اليوم تحدي الجميع وتحدي جميع الأشياء.‏

قام في العهد الذي نزل فيه بمواجهة جميع اعتراضات مخاطبيه، وتحداهم أن يأتوا بكتاب، أو حتى بسورة أو بآية من مثله. ذُهل ‏منه المعارضون الأولون له، وسُحروا من بيانه ومن بلاغته، حتى اتهموا الرسول صلى الله عليه و سلم بأنه ساحر، وأنه شاعر. وأزاء ‏أخباره الغيبية التي أتى بها من وراء الأستار فقدوا صوابهم فقالوا عنه أنه كاهن، ولكنهم عجزوا تماما عن الإتيان بمثله. أي أن أبطال ‏الشعر والنثر والخطابة وأعلامها من معارضيه اضطروا إلى الصمت والخرس والانسحاب إلى جحورهم. أما منكرو هذا العصر ‏المعاندون فعلى الرغم من توارثهم روح المعارضة والإنكار من هؤلاء السابقين، إلا أنهم على الرغم من أنواع الديماغوغية ‏والديالكتيك وجميع أنواع المجابهة والاعتراض لم يستطيعوا انجاز شيء خارج إظهار العجز والغضب. تغير الزمان وتعاقبت العصور ‏واختلفت القناعات ووجهات النظر، وحميت حدة المعارضة والصراع، ولكن القرآن لا يزال واقفا كالطود الشامخ وكالبحر الواسع ‏وكالسماء التي لا تحدها حدود تجاه جميع المعارضين وتجاه جميع الاعتراضات. وهو مستمر في بث روعه وروعته في القلوب، وفي ‏هداية العقول. منذ نزوله قبل أربعة عشر قرنا وتربعه على عروش قلوبنا تقلبت عهود كثيرة ظهر فيها العديد من مشاهير البلغاء، ‏ومدارس فكرية عديدة، ونظم عديدة وفلسفات مختلفة. وقد حاول العديد منها هدم القرآن واستعملوا لهذا الغرض كل ما لديهم ‏من وسائل ومن سحر الكلام من بيان ومن بلاغة لهدم القرآن، وخاضوا على الدوام غمار الحرب معه، ولكنهم غُلبوا على الدوام ‏وارتدوا على أعقابهم خائبين أمام الأسس القوية المتناسقة والمنطقية التي وضعها للكون وللوجود وللانسان، والإيضاحات العميقة ‏لهذه العلاقات. أجل لقد أتى القرآن بنظرة متميزة للكون وللأشياء وللإنسان باسلوب غاية في الروعة والسحر. لأنه يتناول الإنسان ‏ككل ضمن الوجود بأكمله، ولا يهمل أي شيء، بل يضع كل شيء مهما كان صغيرا في مكانه المناسب. الأجزاء فيه مرتبطة ‏ارتباطا وثيقا ودقيقا بالكل... والأجوبة المختلفة عن أدق الأسئلة التي تخطر على بال الإنسان في هذا المعرض الكوني الهائل ترد فيه. ‏وبينما يقوم بتحليل أدق المسائل الموجودة سواء في عالم الشهود أم فيما وراء الأستار حتى أدق تفاصيلها، لا يدع هناك اي تردد أو ‏شبهة أو علامة استفهام في العقول... أجل! إن القرآن في جميع هذه التفاصيل الدقيقة التي يوردها لا يدع اي فراغ في هذا الموضوع ‏لا في العقول ولا في القلوب ولا في المشاعر ولا في المنطق، لأنه يحيط بعقل الإنسان وبأحاسيسه وبمشاعره وإدراكه بشكل يجعل ‏الإنسان وهو تحت تأثير هذا العشق يكاد يخرج من هويته الإنسانية متوجها إلى الذات العلية. ومثل جميع السائرين في الطريق الى الله ‏تعالى ينتقل من الدهشة إلى الذهول ومن الذهول إلى بحر من العواطف المتلاطمة التي تجعله ينحني من الخشية وهو يقول (قُلْ لَوْ كَانَ ‏الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) ‏(الكهف: 18/109‏)‏. إذن فهذا هو القرآن... ‏المفتاح الذهبي لخزائن الكلمات التي لا تنفد ولا تنتهي، والإيمان هو شفرات أو أسنان هذا المفتاح السحري. ولا أعتقد أن من يملك ‏مثل هذا المفتاح وهذه الشفرات سيحتاج إلى أي شيء آخر بخصوص مسائل القواعد والأسس العامة المتعلقة بالإنسان والوجود ‏والكون.‏

ولا يتوهمن أحد أنني بكلماتي العاجزة هذه أقوم بسرد مديح للقرآن، فمن أنا لكي أمدح القرآن!!‏

‏ وكما قال الشاعر:‏

‏ من يستطيع وصفه سوى الله الوصّاف‏

‏ الملائكة الكرام المصطفون صفا صفا‏

‏ يصفونه ويعظمونه حتى تحسبهم في طواف‏

وقد يظهر من لا يستطيع رؤية هذه الميزة الخارقة في موضوع البلاغة وجواهر الكلام، ولكن من الواضح أن كل من يستعمل ‏ضميره يعلم أنه لم يخطأ في أي وقت في هذا الصدد، ولا سيما إن أجال ناظريه وشاهد التأثير العالمي للقرآن.‏

لقد أحدث القرآن في اول عهده بالنزول وأول عهده بتشريفه الدنيا تأثيرا لا يمكن تصوره في الأرواح وفي العقول أيضا، بحيث أن ‏درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها لا نحتاج معها إلى ذكر اي نوع آخر ‏من معجزاته. ولا يمكن العثورعلى أي أمثال لهم في مستواهم من ناحية التدين والتفكير وأفق الفكر والخلق ومعرفة أسرار العبودية. ‏فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيلا من الصحابة آنذاك لا نبالغ إن قلنا أنهم كانوا في مستوى الملائكة. وحتى اليوم فهو يقوم بتنوير قلوب ‏المتوجهين إليه الناهلين من نبعه، ويهمس في أرواحهم أسرار الوجود. والذين يدعون أنفسهم بكل أحاسيسهم ومشاعرهم وقلوبهم ‏وقابلية إدراكهم تسبح في جوه الذي لا مثيل له سرعان ما تتغير عواطفهم وأفكارهم، ويحس كل واحد بأنه قد تغير بمقياس معين وأنه ‏أصبح يعيش في عالم آخر. أجل! ما أن يتوجه إليه الإنسان من كل قلبه، حتى لا يستطيع بعد ذلك الخلاص من تأثير سحره وجاذبيته. ‏إن القرآن يتناول الطالب الذي جذبه نحوه فيعجنه ويشكله من جديد ويجعل منه شخصا آخر تماما... شخصا رقيقا ذا حساسية ‏مرهفة، إلى درجة أن الإنسان يتأكد بأن أي تغيير لا يكون إلا به، بل يمكن في أحيان كثيرة تحقيق العديد من الأمور والتي كان يخيل ‏من قبل أنها مستحيلة التحقيق، حيث تتحول هذه الأمور في ظله إلى حالة اعتيادية مما يُذهل الجميع. والقرآن يقول: (وَلَوْ أَنَّ قُرآناً ‏سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اْلأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ للهِ اْلأمْرُ جَمِيعاً) ‏(الرعد: 13/31‏)‏ لأنه أجرى في القلوب والعواطف ‏والأحاسيس وفي العقول تأثيرا بالغ المدى بحيث أن هذا التأثير لا يقل غرابة عن تسيير الجبال أو عن تقطيع الأرض أو تكليم الموتى، أو ‏عن إحياء أجساد بالية منذ آلاف السنين.‏‎ ‎

كان كل صحابي بطلا في عالم القلب والروح، وكان مجتمع الصحابة مجتمعاً متميزا مباركا نشأ في ظل فيض وبركة القرآن. ‏واستطاع هؤلاء الصحابة اجراء تأثير عميق وكبير على قسم كبير من العالم، حتى أن عملهم هذا ما كان يقل من ناحية الروعة ‏والخارقية عن قلع الجبال عن أماكنها أو سقي الأموات ماء الحياة أو ربط السماء بالأرض. وما كان هناك أي مجتمع آخر يمكن ‏مقارنته بمجتمعهم الفريد هذا. فهؤلاء الصحابة الذين عجنوا بروح القرآن وتشكلت أنفسهم حسب مبادئه السماوية، أي أصبحوا ‏من ناحية الروح والمعنى ترجمانا للقرآن، استطاعوا تحقيق المستحيلات وفتحوا به طرق الخلود أمام الأرواح الميتة، وغيروا وجه ‏الدنيا، ونقلوا الإحساس بلذة عالم الروح إلى المجتمعات التي احتكوا بها وتعرفوا عليها، وكسروا الأقفال الموجودة على الأفكار ‏وفوق الأفواه، ورفعوا الإنسان مرة أخرى إلى المرتبة الرفيعة التي رفعه الله إليها وشرفه بها، وقدموا نظرة جديدة وتفسيرا جديدا ‏لموقع الإنسان في الكون بين الموجودات، وركزوا الأنظار على السر العميق الموجود بين الأوامر التكوينية وبين القواعد الشرعية، ‏شارحين وموضحين الغاية والحدود النهائية للقلب والإرادة والأحاسيس والمشاعر، ومحركين وباعثين أصول وأسس القيم الكامنة ‏والنسبية الموجودة في روح الإنسان، لكي يوجهوا الأنسان العادي إلى طريق الإنسان الكامل، فنجحوا في جعل الإنسان يحس في ‏كل ما يقع بصره عليه أو يصل إليه بأحاسيسه، أو يحس به في قلبه أصابع الارادة والقدرةالالهية اللانهائية، اي ربط كل شيء ‏وإرجاعه إلى صاحبه الأصلي.‏

‏ إن كان المؤمن مرتبطا بهذا المقياس بقلبه وروحه وبمشاعره وبأفكاره وبعقله بالله يكون قد ابتعد تماما عن سطحية الارتباط ‏بالجسد وبمطالبه، وينظر إلى الحياة من زاوية أخرى ويرى لها طعما آخر، أي ينتبه إلى ما وراء افق هذه الحياة. ومثل رجل الحقيقة ‏هذا يرى ويشاهد في كل شيء في هذا الوجود العلم الالهي مرفرفا عليه، ويد القدرة عاملة فيه، فيحس برجفة، وتتداخل في نفسه ‏مشاعر الأمل والقرب مع الخشية والرهبة. ومع كونه يعيش في الدنيا إلا أنه يحس وكأنه في ذروة من ذرى الآخرة. عندما يأخذ ‏نفسا يحس بالأمل والترقب، وعندما يعطي نفسا يحس بالمخافة والمهابة. ويتجول دائما في الساحة التي رسمها القرآن ويعيش حياته ‏في ظلال القرآن وألوانه.‏

إيضاح القرآن ضمن هذا الإطار بالأمثلة يحتاج إلى مجلدات. بينما ما حاولنا تقديمه في هذا الكتيب مجرد مقتطفات من الأجوبة ‏الارتجالية على الأسئلة التي طرحت في مجالس ومسامرات مختلفة وحسب مناسباتها. ولا نكتم هنا أن هذه الأجوبة صدرت من ‏شخص تبهت في شروحه جميع الأفكار والأحاسيس مهما كانت رائعة وسامية.‏

أعتقد أن العديد من الحقائق السماوية ربما لبست هنا لباسا أرضيا. لذا كان على كل من قرر صرف بضع ساعات مع القرآن ‏بقراءة هذا الكتاب أن يضع هذا نصب عينيه لكي لا تهتز مهابة القرآن في ذهنه. ومع أن هذا العمل والجهد حاول أمرا مستحيلا، ‏لأنه يشبه محاولة شرح البحر بقطرة واحدة، أو إراءة الشمس بذرة واحدة، إلا أننا نقول بأن لحن ناي من قبل راعي غنم قد يجد له ‏مكانا في عالم الموسيقى مهما كان متواضعا. لذا نتمنى أن تحوز هذه السطور - التي يمكن أن تصدع الرؤوس - بعض القبول.‏

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا

وصلى الله على سيدنا المُقتدى وأصحابه ذوي القَدرِ والتقى.
 
< السابق   التالى >