فهم خاص للقرآن الكريم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

‏ (.....‏‎ ‎أو فهم أعطيه رجل مسلم) (1)‏

الحمد لله والصلاة والسلام على من أنزل عليه القرآن وعلى آل وصحبه أجمعين.‏

‏ من النادر القيام بالتوحيد بين العلم المجرد والنظري وبين الحركة الدعوية، بل يرى بعضهم استحالة هذا. لا شك أن وجهة ‏النظر هذه تحمل نصيبا من الحقيقة. ولكن يجب ألا ننسى الاستثناءات. وهنا يضيف الشيخ فتح الله كولن - الذي يعد من رجال ‏الدعوة والحركة الإسلامية - كتابا جديدا إلى كتبه السابقة التي تزيد على عشرين كتابا.‏

هذا الكتاب الذي أعطى له عنوان "أضواء قرآنية في سماء الوجدان" هو حول تفسير القرآن. وهو يتناول بعض الآيات - ‏حسب تسلسلها في القرآن - ويشير إلى النكات والدقائق الموجودة فيها. ويتبين من النظرة الأولى أن المؤلف ملم إلماما جيدا ‏بالتفاسير القديمة والتقليدية. ولكننا نرى أنه يفتح مجالات أخرى, ويقدح شرارات لمعات وومضات في التفسير دون المساس بأي ‏مقياس من مقاييس علم التفسير أو الإخلال به. وهذا هو ما قصده المؤلف عندما جعل اسم كتابه "أضواء قرآنية في سماء الوجدان".‏

وبينما ازدادت وتيرة التخصص في عصرنا هذا ، فإن المختصين يشعرون بالحاجة إلى إيصال نتائج بحوثهم إلى الكتل الواسعة من ‏الجماهير. وهذا الطراز من النشريات يدعى في الغرب (‏vulgarization‏) أي أسلوب تبسيط المواضيع الاختصاصية وجعلها في ‏متناول الجماهير، وهو سمة من سمات عصرنا. وتكون هذه الحاجة اشد في موضوع العلوم الدينية التي تهم كتلا واسعة من الجماهير ‏بشكل مباشر. ولو قام حاليا اي عالم ليضع تفسيرا على غرار تفسير الزمخشري أو الرازي أو البيضاوي أو النسفي أو أبي السعود لما ‏لقي كتلة واسعة تستطيع قراءته. لذا كان عليه أن ينزل إلى مستوى مخاطبيه ويختصر المصطلحات العلمية إلى الحد الأدنى.‏

والكتاب الموجود بين أيديكم الآن هو من هذا النوع من الكتب، لأن المؤلف الكريم تناول هذا الموضوع في كتابه هذا بحيث ‏يستطيع الشخص المتوسط الثقافة فهمه. ولكن تظهر الحاجة في بعض الأحيان لاستخدام بعض المصطلحات الفنية، مما يكون حافزا ‏للقارئ غير الفاهم لهذه المصطلحات إلى توسيع أفقه وثقافته بعض الشيء. فمثلا على الرغم أن مثل هذا القارئ قد لا يفهم ما جاء ‏من دقائق في تفسير الآية الثانية من سورة البقرة من ناحية المصطلحات النحوية والبلاغية، ولكنه سيفهم أن مفهوم الهداية الواردة في ‏الآية الثانية والخامسة من سورة البقرة هو جواب لطلب الهداية الواردة في سورة الفاتحة. وقد يتسائل: مع أن القرآن مرسل إلى ‏الناس جميعا فلماذا تقول هذه الآية أنه مرسل للمهتدين فقط؟ لذا نرى المؤلف يقول: نعلم بأن هذا الكتاب - الذي لا توجد فيه ‏ذرة من الشك والريبة- هو مصدر الهداية للمتقين... للمتقين فقط لأن نفوسهم خلت من الشبه والريب، وتوجهت قلوبهم ‏وأرواحهم لتقبل الحق ورعاية أوامر الله وشريعته الغراء. والنتيجة التي يخلص إليها هي : بما أن هؤلاء المتقين هم الذين يستفيدون من ‏القرآن حق الاستفادة إذن يبدو وكأن القرآن قد أرسل إليهم وحدهم.‏

‏ ومن المفيد هنا نقل تحليل جميل من الكتاب لنفسية الكافر والمنافق: "نظراً لكون المنافقين يعيشون بين المسلمين ويختلطون بهم، ‏لذا تتيسر لهم أحيانا لمحة من نور الإيمان. ولكن النفاق المتغلغل في قلوبهم ورؤوسهم يمنعهم من الاستفادة من هذا النور. أجل!... إن ‏هؤلاء المنافقين قد انقلبوا إلى وضع لا يبصرون فيه، مع أن عيونهم مفتوحة، إما بسبب عدم الاهتمام بنور المشعلة التي يحملها ‏الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم في يده، او الاستهانة به، أو بسبب قيامهم بافساد استعداداتهم الفطرية. ولكنهم مع هذا ‏يواجهون نور المشعلة الذي يأخذ بالابصار، وبدلا من النظر إليه بعين الإيمان نراهم يقومون - بشكوكهم وترددهم- بتحييد القوة ‏النابعة في أرواحهم وبازالة تأثيرها. حتى أن كلمة "استوقد" تشير إلى أنهم كانوا يخططون لكيفية قلب هذا النور إلى نار محرقة.‏

أما الكفار فلم يتعرفوا على الإيمان وعلى النور المنبعث منه أبدا... لم يروه أبدا، ولم يدخلوا في جوه القدسي. لذا عندما أحس ‏الكافرون - لهذا السبب او ذاك- بهذا النور في وجدانهم "باستثناء المعاندين منهم" حاولوا التمسك به وقضاء بقية حياتهم كمؤمنين ‏مخلصين . ولا شك أن للفرق بين النور والظلام وبين الإيمان والكفر دورا كبيرا في هذا. فالذين كانوا مهتمين من قبل أشياء أخرى ‏عندما رأوا هذا النور دخلوا إلى عالم جديد... عالم يحف به جمال الإسلام وجاذبيته. لهذا عندما نقارن بين الذين يسمعون عن ‏الإسلام ويتعرفون عليه للمرة الأولى ويؤمنون به ويعيشونه، وبين المسلمين المولودين في البلدان الإسلامية "إلا القلة منهم" يفهم ‏بشكل واضح صحة ما قلناه أعلاه.‏

‏ واضافة إلى قيام المؤلف بالإشارة إلى الناحية اللغوية والبلاغية، إلا أنه اهتم أكثر بمعاني الآيات وبغاياتها، فلنقرأ مثلا ما أورده ‏عند تفسيره احد الاسماء الحسنى لله تعالى وهو "بديع السموات والأرض":‏

‏"يأتي معنى فعل "بدع" في اللغة العربية بمعنى الإيجاد والخلق دون وجود مثال أو أنموذج سابق. وتعرض الأرض والسماوات التي ‏لا حد لسعتها أنموذجا للجمال الفريد الذي لا يمكن أن يشبع الإنسان منه. أي هي من الكائنات والمخلوقات العجيبة التي لم يسبق ‏وجود أنموذج لهما من قبل. فهي مذهلة ومدهشة، ولا يمكن أن يكون هناك أكثر منهما جمالا وجاذبية لعدم وجود مثال سابق لها ‏من جهة، وطبيعة مادتها الأصلية وهيئتها الحالية من جهة أخرى، وهي تشير وتومئ بمليارات من الإشارات النورانية إلى خالقهما ‏ومبدعهما.‏

أجل!... خلقت الأرض والسماوات جميعا بكل ما فيها وبكل جمالهما وجلالهما الأخاذ، وبكل اسرارهما، بدرجة الكمال الذي ‏لا كمال فوقه، ودون أي نقص أو قصور بكلمة "كن" من قبل خالقهما. وهما ليستا أجزاء جاءت وانفصلت منه، وليست ظهورا ‏له. لأن العلاقة بين الكون وبين مبدعه تبارك وتعالى هو علاقة الخالق بالمخلوق. اي أن هذه العلاقة ليست ولادة منه أو صدورا عنه ‏أو ظهورا حتميا وغير ارادي له. وعلى فرض المستحيل لو كانت هذه هي العلاقة لما كان كل هذا الصدور والظهور معرضا للتفتت ‏والتجزؤ والنفاد مثل نفاد وقود الشمس في يوم من الأيام. بينما يخلق كل شيء ثم ينمو ويتطور ثم ينمحي ويذهب ويفنى، ثم يعقب ‏هذا الفناء وجود آخر بنفس الجمال والجاذبية... أجل!...كل شيء يأتي واحدا إثر آخر، ثم يرحل واحدا إثر آخر. ولكن يبقى بديع ‏السماوات والأرض وحده دون زوال أو تحول أو فناء. ‏

وعندما يتكرم الله تعالى ويهب نور الحياة للقادمين، فهو يعبر لأولي الألباب عن معنى الوجود. وعندما يأتي القادمون الجدد ‏بنفس النعم المهداة إليهم "بعد ذهاب ما قبلهم من الزائلين"، فهو إشارة إلى أبديته وأزليته.‏

على المسلم - لكي يستفيد الإستفادة القصوى من القرآن - أن يفكر كيف يقرأ القرآن. هناك القليل من يفعل هذا والقليل ممن ‏يطبق ما يقال وينصح في هذا الخصوص. وتناول الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" والعلامة سعيد النورسي في كتابه ‏‏"المكتوبات" هذا الأمر بعمق. وقد أحس المؤلف الكريم "الشيخ محمد فتح الله كولن" بالحاجة إلى تأكيد هذا الأمر، لذا نراه يقدم ‏طريقة معينة في كيفية قراءة القرآن وفهمه فيقول:‏

‏... ونستطرد هنا فنقول بأنه مهما بدا أن دعاء نوح عليه السلام على قومه (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اْلأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ‏دَيَّاراً) ‏نوح: 71/26‏‏ يناقض ظاهريا ما قلناه آنفا، إلا أنه ليس كذلك. لأنه من المحتمل أن نوح عليه السلام قال هذا على "اعتبار ما ‏سيكون"، وأنه كان يعرف طبيعة ذلك المجتمع الذي قضى فيه كنبي أعواما طويلة. ويحتمل أنه حدس الرغبة الالهية، أو أنه أوحي ‏إليه هذه الرغبة والمراد الالهي فقال ذلك الدعاء. لأن هذا هو الخلق العام للأنبياء العظام في الغالب‎.‎

ثم يجب الوقوف حول عما إذا كنا نحمل هذه القصص محمل الحقيقة أم لا. لأننا نعتقد أن هذه القصص ليست قصصا رمزية، ‏بل هي حوادث وقعت حقيقة، ونقلها القرآن لنا.‏

ثانيا إن الله تعالى بقصه علينا هذه القصص يشير إلى بعض الحقائق الكونية الجارية حتى قيام الساعة. أي هي جارية منذ وجود ‏آدم عليه السلام حتى آخر رجل في هذه الدنيا. لأننا عندما ننظر إلى العناصر التي يستعملها القرآن نراها غير مختصة بزمن معلوم أو ‏مكان معلوم. وهذا هو المنتظر أصلا من كتاب كوني. ولكن لكي نستطيع النظر إلى القرآن هذه النظرة يجب متابعة آياته ضمن ‏إطار خاص. بل يمكننا القول أن هذا هو الشرط الوحيد للاستفادة الحقيقية من القرآن. والشيء الآخر إن الآيات سواء أكانت في ‏حق الكافر أم المنافق أم اليهود أو النصارى، وكانت أسباب النزول تشير إلى هذا الأمر أو ذاك، فإن كل فرد - وهو يقيم علاقات ‏عقلية ومنطقية وشعورية ووجدانية مع نفسه ومحيطه في زمان أو في مكان معين - يستطيع تلقي رسائل غضة وجديدة من القرآن ‏ويحسها في أعماق نفسه. وبتعبير آخر فعلى الفرد أن يقول لنفسه: "صحيح أنني لست بنبي، ولكني أشعر أن آيات القرآن البالغة ‏ست آلاف ونيف كأنها قد نزلت عليّ". وفي نهاية المطاف أليس هذا هو روح القضية وأساسها؟ وهل يمكن حصر الله تعالى - ‏حاشا لله - في زمن أو مكان معينين؟ إذن فالقرآن الكريم الذي هو تجلي صفة الكلام عنده تعالى كما خاطب الرسول صلى الله ‏عليه و سلم فكأنه يخاطبك ويخاطبني كذلك، ويخاطب كل من يأتي من بعدنا. أي هو يخاطب الإنسانية جمعاء. وهذا الأمر مهم من ‏ناحية شمولية القرآن وكونه فوق الزمان والمكان. وإلا فإن الإنسان ينظر إلى هذه الحوادث الواردة في القرآن وكأنها قصص ماضية. ‏ومثل هذه النظرة في قراءة القرآن يقلل نسبة الاستفادة منه كثيرا.‏

والقارئ المدقق سيلاحظ دون شك كيف أن المؤلف قام بمزج بارع لعلم البلاغة والفكر وتقييم أسباب النزول مع زاوية نظره ‏إلى القصص القرآنية، مع التأكيد على شمولية القرآن، اي على كونه صالحا لجميع الأجيال القادمة. أي أن كلا من المتخصص في ‏علم التفسير والقارئ العادي يستطيع الاستفادة من هذا الكتاب.‏

كما يقوم المؤلف في صدد فهم القرآن بمراجعة رسائل النور والإشارة إليه إما ضمنا أو صراحة.‏

نستطيع اعطاء مثال على كيفية قيامه بتفسيرات جديدة وتقديم نظرات جديدة إضافة إلى استفادته من التفاسير القديمة والتقليدية ‏بما اورده عند تفسيره لسورة "الواقعة- الآية 75" عند تطرقه لتفسير "مواقع النجوم" وتخصيصه حيزا طويلا له. يقوم باستعراض ‏جميل للأوجه المختلفة في تفسير هذه الآية. والقصد هنا تناول الرسول صلى الله عليه و سلم والأنبياء الآخرين عليهم السلام، ‏والنجوم، وايداع آيات القرآن لجبريل الأمين، وكون نجوم القرآن - أي مقاطع وحيه- وآياته كل في مكانها الصحيح، وأن ‏الصدور الطاهرة للمؤمنين هي مكان ومستودع نجوم القرآن.... الخ من التفاسير المنيرة واللامعة لمعان النجوم. وفي بداية تناوله ‏للموضوع نراه يشير إلى ناحية أخرى فيقول:‏

‏"آه من الإنسان القاسي القلب!... إن الله تعالى بعلمه الأزلي يعلم هذا الوضع فيقوم لتأييد ما يريد بيانه له بالقسم.‏

على الإنسان أن يستحي من هذا ويخجل، ويتصبب عرقا، وترتجف شفتاه، وإن يهتز وهو يقرأ مثل هذه الآيات. فرب هذا ‏الإنسان لكي يبين ويشرح له بأن القرآن كتاب كريم، ويبرهن على ذلك يحشد الأدلة تلو الأدلة ثم يضيف إليها قسما عظيما". ثم ‏ينهي تفسير هذه الآية بقوله:‏

‏"بسبب كل هذه المعاني، وكذلك بسبب معان لا نعلمها أقسم الله تعالى بمواقع النجوم الذي قال عنه رب العالمين أنه قسم ‏عظيم.‏

ونحن نؤمن بالمعاني التي لانعلمها تماما كما نؤمن بالمعاني التي نعلمها. لذا نؤمن من كل قلوبنا ونصدق بأنه قسم عظيم".‏

وعندما يقوم المؤلف الكريم بتفسير الآيات القرآنية التي تحذر المؤمنين من الكفار والمنافقين، يقوم بتحليلات جميلة، فيحذر ‏المؤمنين من حيل‎ ‎هؤلاء ومن المصايد والفخاخ التي يضعونها في طريق المؤمنين ويقول:‏

‏"والذين انجرفوا في تيار الالحاد فأصبح الكفر طبيعة راسخة عندهم وكذلك المنافقون هم مثل الشيطان تماما. ففي ظروف معينة ‏لا يترددون من ذكر الله والدين على لسانهم يريدون بذلك التقية واستغفال الآخرين. ويبدون في صورة المصلحين والصالحين، ‏ولكنهم يحملون على الدوام حقدا لاينطفئ ضد المؤمنين، ويبحثون على الدوام عن طرق ينفسون بها عن هذا الحقد والغيظ. وفي ‏الاوقات التي لا يستطيعون فيها تنفيذ ما ينفس عما يعتلج في صدورهم من غل تراهم يخفون حقدهم وراء ابتسأمة صفراء أو ‏بيانات وأقوال لينة، ويتظاهرون أنهم ديمقراطيون. وعندما يصلون إلى القوة التي تمكنهم من فعل ما يريدون تراهم يقولون: "إن الحق ‏للقوة". أما الديمقراطية فتصبح آنذاك أمرا خياليا أو "فنطازيا"، ثم يرتكب من المساوئ ما لا يخطر على البال.‏

إن الثقة بمثل هؤلاء تعد عدم احترام لشعور الثقة. أما الخوف من هؤلاء فيعد عدم ثقة بالله تعالى. وعلى المؤمن أن يكون دائما ‏مفتوح الصدر بالحب للجميع، ولكنه لا يغفل ولا يدير ظهره لامثال هؤلاء، وعليه في جميع الاحوال أن يلتجئ إلى الله تعالى من ‏شرهم".‏

ثم يختم تحليله قائلا:‏

‏"ولكونهم كاذبين وذوي وجوه عديدة، ويسلكون سبيل التقية والمظهر الكاذب كانوا يشكون في كل شيء حتى من أكثر ‏التصرفات براءة ومن جميع أنواع الأعمال القائمة على أطهر الاحاسيس والافكار، ويحسبونها ضدهم، وينظرون إلى الناس بمنظار ‏أحاسيسهم ومشاعرهم العقربية. صدورهم مملوءة بالخيانة لذا فهم في خوف دائم حسب قاعدة "الخائن خائف".‏

هؤلاء هم الاعداء الحقيقيون لأهل الإيمان، وعلى المؤمنين - مع احتفاظهم بأسلوبهم الإيماني - ألا يقصروا في صيانة أنفسهم ‏منهم وحمايتها".‏

وعندما يتناول المؤلف الاية التي تتحدث عن المرتدين يأتي بتفسير بتحليل نفيس. والذي يقرأ هذه الاية قراءة سطحية قد يحسب ‏أنه فهم مرادها ومعناها، ولكنه عندما يقرأ تحليل المؤلف وتفسيره يدرك أن هذه الايات تحتوي على معاني أعمق مما كان يحسب. ‏والآية هي آية:‏

‏(كَيفَ يَهدِي اللهُ قَوماً كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) ‏آل عمران: ‏‏3/87‏‏ ويقول في تفسيره: "إن الذين يقفون بجانب الظالمين المؤيدين للكفر وللباطل مع أنهم شهدوا ورأوا جمال الحق وقبح وشناعة ‏الشر ليسوا إلا أشخاصاً منحرفين وظالمين. هؤلاء أفراد بؤساء انحرفت فطرتهم وتشوهت وفقدوا قابلية الإهتداء إلى درجة أن الله ‏تعالى لا يجعل لهم نصيبا من الهداية ولا يهديهم إلى سواء السبيل. لا يهديهم لأن أمثال هؤلاء دخلوا في غمرة حركة مبتعدة عن ‏مركز الإسلام، وفي حالة نفسية ترافق هذا الابتعاد وتتسم بمعارضة واتهام المركز الذي يبتعدون عنه، مما يؤدي إلى تعميق اسوداد ‏قلوبهم. وهم يحسبون أنهم بعملهم هذا وإظهارهم المؤمنين - الذين يدعون أنهم يعرفونهم حق المعرفة لأنهم كانوا من ضمنهم - ‏بشكل سلبي يقومون بخدمة الكفر والالحاد وتقوية روحه المعنوية، ويقومون في الوقت نفسه بإغراق المؤمنين في الهم والحزن.‏

غير أن الله تعالى الذي وهب للاسلام نورا متميزا هو كنور الشمس بالنسبة للاديان الأخرى سيجعل هؤلاء المبتعدين عن هذا النور في ‏تيه دائم، لايهتدون إلى شيء أبدا وسيصرفون أعمارهم وحياتهم في هذه العماية لايجدون شيئا ولا يهتدون إلى أي شيء. وسيكونون ‏أنموذجا سيئا للأفراد والجماعات الضالة".‏

أحيانا يقوم المؤلف بإيضاح مسألة قد يساء فهمها. فمثلا نعلم أن تبليغ الحقيقة والقيام بالنصح شيء اساسي في الدين، ولكن ‏بعضهم قد يسيء فهم آية (فَذَكِّر إِنْ نَفَعَتِ الذّكْرَى) ويقول: "لقد قمت بالتذكير فلم يفهموا ولم ينتفعوا... هم قوم لا نفع منهم، ‏ولا أمل فيهم... اذن فنصائحي لا تنفعهم، والآية تقول بأن أنصح عندما تفيد هذه النصائح... اذن فلم يبق هناك شيء استطيع ‏عمله". أمام هذا الفهم الخاطئ يقوم المؤلف بشرح القصد الحقيقي من هذه الاية فيقول بأن الأصل في التبليغ وفي الخدمة الإيمانية هو ‏الثبات فيقول:‏

‏"ولكون الرسول صلى الله عليه و سلم مكلفا بالتذكير والتبليغ دون قيد أو شرط فإن آية (فَذَكِّر إِنْ نَفَعَتِ الذّكْرَى) لا تفيد ‏التقييد بل تفيد تأكيد هذه المهمة وهذا التكليف، لأن هذا الكلام البليغ والقوي النازل والموحى به لا بد ان يكون له نفع حتى ولو ‏بالقوة "أي بالاحتمال في المستقبل". أما استفادة السامعين له أو عدم استفادتهم فعليا فهو موضوع آخر. اذن نستطيع أن نقول ‏استنادا إلى هذه الآية: انصح لأنه لابد أن تكون هناك فائدة من النصيحة".‏

ولا يسعنا ألا أن نشير إلى تفسيره لآية ترسم إطارا لحياة المسلم ولمفهوم عمله وراحته وهي آية: (فَإذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإلَى رَبِّكَ ‏فَارْغَب) حيث نراه يقول:‏

‏"تقدم هذه الآية الكريمة للمسلم فلسفة حركية مهمة ودستوراً للحياة. أجل يجب أن يكون المؤمن في حركة دائبة في كل حين. ‏في حركة عندما يعمل، وفي حركة أيضا عندما يرتاح. وبعبارة أخرى عليه أن ينظم نفسه وفق خطة لايوجد فيها أي فراغ في ‏حياته.صحيح إنه كإنسان يحتاج إلى الراحة، لذا من الطبيعي أن يرتاح. ولكن يجب أن تكون حتى هذه الراحة راحة نشطة وأيجابية ‏فمثلاً من يتعب من القراءة والكتابة يستطيع أن يرتاح بالنوم أو بتغيير وتبديل الجو كأن يقرأ القرآن أو يصلي أو يلعب الرياضة أو ‏يتسأمر أو يمزح مع الآخرين المزاح المقبول شرعا... الخ. وعندما يتعب من هذا يرجع مرة أخرى إلى القراءة. أي يكون في حركة ‏مستمرة ودائبة يترك مشغلة من المشاغل لمشغلة أخرى. أي يستريح وهو يعمل، ويعمل وهو يستريح.‏

وإذا قمنا بتقييم هذه المسألة في إطار الخدمة الإيمانية يمكن القول بأننا كمؤمنين نكون - كما قيل على الدوام - ضمن ألطاف ‏قسرية وجبرية. وحسب أسلوب الخدمة الإيمانية المقبول من قبل، والمطبق على الدوام نرى انعكاس هذا الدستور القرآني في حياتنا ‏كمؤمنين دون أن نشعر. وفي السابق قام بعض أغنيائنا الباحثين عن الرضـا الإلهي بالتبرع للطلاب الاذكيـاء من الفقراء ‏وإسـكانهم في الأقسام الداخلية خدمة للأمة. وبعد مدة شـعروا أنهم قد أدوا مهمتهم وركنوا إلى الدعة وإلى مشاغل الحياة ‏الاعتيادية فإذا بأبواب خدمات جديدة وواسعة تنفتح أمامهم وتدعوهم لتذوق أذواق أداء هذه الخدمات الرحبة. كانت القلوب ‏المخلصة تتساءل بقلق: "أيمكن أن تنتهي هذه الآنواع من الخدمات الإيمانية؟ ألاتوجد هناك ساحات أخرى وساحات أوسع؟" فإذا ‏بساحات خدمات أخرى وفي مناطق جغرافية أوسع تنفتح أمامهم، وإذا بهم يتذوقون لذة أداء هذه الخدمات في سبيل الله، ‏ويتجرعون كؤوسها مترعة. ثم فتح الله أمامهم ساحات خدمات بأبعاد ومناشط أخرى أيضا. والخلاصة أنه ما من عهد ظهر فيه ‏ظن قاتل بأن الخدمات قد فرغت وإن أبوابها قد قفلت إلا وقيض الله تعالى أشكالا مختلفة من الخدمة في سبيله وفي ساحات مختلفة. ‏لذا فللتعبير عن مثل هذا المعنى قلت باننا مجتمع "للالطاف الجبرية". إذن فنحن كمؤمنين وإن لم ننتبه إلى معاني ومحتويات الآية (فَإذَا ‏فَرَغْتَ فَانْصَب) إلا إنها تبدو وتظهر في حياتنـا بشـكل منتظم ومسـتديم. ‏

وإذا دققنا النظر في أصل المسألة نرى أنه لايوجد في الحقيقة بديل عن هذا بالنسبة للمؤمن. فأولاً إن كل نعمة من النعم التي ‏أنعمها الله تعالى على المؤمن كبيرة جدا. فكوننا من البشر نعمة وكوننا في صحة وفي عافية نعمة أخرى. وكوننا نشعر ونحس بهذه ‏النعم - نتيجة إيماننا - نعمة متميزة. أي كل شيء نعمة: أكلنا وشربنا... انتظارنا للحياة الأبدية... انتظارنا للنعم الأبدية نعمة... ‏كل شيء ... كل شيء في الحقيقة نعمة. ولكن الإلفة والعادة تنسينا قدر وقيمة كل هذه النعم. لذا لا نؤدي شكرها كما يجب. ‏كل هذه النعم في كفة هناك نعمة أخرى لا نلتفت إليها وهي: عندما ندير أنظارنا فيما حولنا نجد وجود حروب ساخنة في العديد ‏من الاماكن، ونرى الآلاف من الأشخاص يبكون ويعانون من هذه الفواجع، ونرى المسلمين في العديد من البقاع يتعرضون للظلم، ‏ولقهر واستبداد الحكام الذين لا يكفون عن ظلم المؤمنين. وبينما تجري هذه الحوادث المفزعة حوالينا نستطيع نحن أداء واجباتنا ‏وأداء الفرائض بحرية دون التعرض للظلم والاهانة. هذا طبعا بالنسبة لحالنا في الماضي وبالنسبة لكثير من البلدان الإسلامية. أليس ‏هذا الأمر نعمة كبيرة؟ أولا يستوجب هذا الشكر؟. إذن يجب أن نسرع من عمل إلى آخر، وأداء واجباتنا - ضمن منظومة الخدمة ‏الجماعية - دون كلل أو ملل، والاستمتاع بتذوق اللذة المعنوية والروحية ونحن نؤدي هذه الخدمات.‏

أجل ليس من حق المؤمن القول: "لقد أديت ما عليّ ولم يبق أمامي عمل شيء آخر"... لا يجوز له أن يقول هذا وينسحب من ‏الميدان للراحة والدعة. وظيفة المؤمن بعد قيامه بإتمام عمل خيري المبادرة إلى عمل خيري آخر. عليه أن يرتاح بالعمل، وإن تكون ‏راحته مقدمة لعمل آخر، وأن يعيش اليسر في العسر، وإن يقيم اليسر والعسر في اتجاه المشاعر الميتافيزيقية، وإن يتصرف على ضوء ‏أن العالم المادي يكمل العالم اللامادي، وأن العالم اللامادي يكمل العالم المادي، فيعيش كإنسان لم يدع هناك أي فجوة في حياته".‏

وكما يفهم من هذه الاقتباسات فهذا الكتاب مملوء بالتوجيهات التي تغني حياة المؤمنين وتملأها حركة وفعالية. علما بأن أهم ‏أساس من أسس التفسير هو مفهوم "التفسير الديناميكي" الذي اهتم به المفسرون من أمثال الاستاذ سيد قطب والاستاذ أبو الأعلى ‏المودودي. لأن القرآن الكريم ليس كتاب دين بعيد عن الحياة وعن الحركة والنشاط الذي تزخر بهما الحياة. بل كتاب يهدف إلى ‏تطبيق تعاليمه في هذه الحياة، وهو كتاب يتجاوب مع الحياة ومع الأحداث تجاوبا متقابلا، ونزل منجما وعلى مراحل لكي يقود ‏هذه الحياة.‏

نضطر هنا إلى التوقف عن الاقتباسات التي قمنا بها بهدف التعريف بهذا الكتاب، لكي لا ننقل معظم الكتاب. وقبل اختتام هذه ‏المقدمة نود الإشارة إلى أن المؤلف مع قيامه بتجنب استعمال المصطلحات الفنية للتفسير، ومحاولته تبسيط المواضيع قدر الإمكان ‏بأسلوب سهل وواضح، إلا أن بعض القراء قد يجدون صعوبة في فهم بعض المواضيع. لذا ننصح مثل هؤلاء القراء إعادة القراءة ‏بتمهل ودقة. أو الاستعانة بمعجم أو بشخص له إلمام بهذه المواضيع.‏‎ ‎فإن لم يفد هذا أيضا، فهم مثل شخص دخل بستانا يحوي ‏أشجارا مثمرة عديدة فتناول منها ما أشبعه، ثم قال: "ليس من الضروري أن أقطف وآكل كل ثمرة هنا... حسبي هذا، وليأكل ‏غيري من الثمار التي لم أصل إليها". لأن " فوق كل ذي علم عليم". والله أعلم.‏

ولا يدعي المؤلف أي ادعاءات طويلة بكتابه هذا فهو يقول: "إن تفسير القرآن بالتفصيل يحتاج إلى مجلدات عديدة، بينما لا ‏يقدم هذا الكتيب إلا نظرات مختصرة ذكرناها بشكل ارتجالي وسطحي في بعض مجالسنا حسب ورود المناسبة، هذا علاوة على أن ‏هذه النظرات تعود لشخص تبهت أجمل الحقائق عند تناوله لها."‏

ومع أنه لا يحق لنا التدخل في تواضعه هذا إلا أننا نقول استنادا إلى ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إلا فهما يؤتاه ‏الرجل في القرآن". اذن فإن من وظيفة كل مؤمن أن يفهم القرآن فهما خاصا به بشرط أن يكون عالما بشروط وأسس علم التفسير ‏وقواعده. ونحن نهنىء المؤلف الكريم على جهده ونجاحه في نظراته لمعاني القرآن، وندعو له بالصحة والعافية، وأن يوفقه الله تعالى في ‏خدمته العلمية للإسلام، وأن يجزيه رب العالمين وصاحب الكرم والجود خير الجزاء على مؤلفه هذا، وأن يوفق المسلمين للاستفادة ‏منه. ‏

استاذ التفسير د. سـعاد يلدرم
‏جامعة مرمرة/اسطنبول


‎(1)‎‏ عن أبي جحيفة قال: قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال :لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، ‏أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يُقتل مسلم ‏بكافر)‏‎ ‎البخاري، العلم, 39، الديات, 31.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri