توطئ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على قلب محمد صلى الله عليه و سلم، ليسترشد به الجنس البشري، وليستقرَّ عليه الكون ‏والوجود، وعليه تقوم قيامة العالم، وبه يشقى مَنْ يشقى، ويسعد مَنْ يسعد:

والقرآن يرفعنا فوق العالم إلاَّ أنه لا يطلب مِنَّا الانسحابَ منه، ويعلو بنا فوق الكون في الوقت الذي يريد منَّا أنْ نتنبَّه لأقلَّ ‏جزئياته بداهةً وأُلفةً، ويغوص بنا إلى أعماق موغلة في الإنسان لنصغي معاً لأَخفى أنَّات روحه، وأوهنَ أوجاع قلبه.‏

وإلى مناطق بكرٍ غير مكتشفة من قارَّات الروح يأخذنا "القرآن" ويرتاد بنا أبعاداً هائلة، وقِمَمَاً عالية جداً، تم يحذرنا من الالتفات ‏إلى الوراء وإلاَّ دار رأسنا وربما هوينا من شواهق ما وصلنا إليه إلى سحيق وديان ما كُنَّا فيه. وهو يسمو بوجداننا فوق العقل إلاَّ أنه ‏يظلُّ يذكّرنا بأنه - أي العقل - معراجنا مع الوجدان في هذه الفوقية، ويخترق بنا آماد الزمان والمكان حتى لنكاد نشعر بأمواج الأبدية ‏وهي تضرب شواطئَ أرواحنا، وتنساب إلى دواخلنا، وفي برزخٍ بين أن نكون - بشراً سوياً - أو ألاَّ‏‎ ‎نكون، يوفقنا القرآن لنرى رأينا ‏ونحزم أمرنا.‏

وشتيت الروح، وانقسامات النفس، وتشعبّات الفكر، وزائغات النظر، تجد في القرآن ما يلمُّ الشتات، وَيُوْحِّدُ الشِعَبَ، ويجمع ‏المقسَّمات، ويعيد للبصر وحدة النظر ليزداد حدَّةًَ وقوةً فيرى "اللاَّمرئي" فينا، "واللاّمرئي" في الكون والوجود، وهو يعلمنا أنَّ مَنْ ‏لم يكن واحداً في ذاته، كلاًّ في فكره، جمعاً في وجدانه، فلن يكون له نصيب من تجليات أنوار الواحدية والأحدية، لأنَّ الإيمان ‏الحق، هو الإيمان الذي ينبعث عن الكياني الإنساني كُلِّهِ، والقرآن - بعد ذلك- ينبوع قوة يتدفق من قوىً غيبية ليستقوي به ‏الضعفاء، ويحيا به الأموات، وهو العقل المبعوث لجنون كل الأعصار، وشعاع الروح الأزلي فوق ظلمات القلوب والنفوس، ‏فكلماته محّملة بسحائب الحياة، وآياته تقطر أنداءَ جمالٍ وجلالٍ، وبمقدار ما يجهل الإنسان منه يكون جهله بنفسه وبالكون ‏وبالوجود من حوله، إنه باعث غريزة التوحيد وفطرته من كوامن الإنسان، وهو عين العالم وقلبه، كم من عقلٍ غَيَّرَ، وكم من روح ‏سما بها، ووجدان ارتفع به، إن قوانين الفطرة ونواميس الكون تتألقان في سماء كلماته وآياته، وفي ثناياه يرقد العقل كله، ومنه ‏تُسْتَنْشقُ أنفاسُ الحيȧة، وفيه تأتلف قوى الطبيعة والفضيلة، ويغوص الكُلُّ في فيض من الحب الإلهي، وهو يعزّز قوى الحواس، ويفتح ‏نوافذ الخيال، ويؤجج ثورة عشقٍ في سويداء القلوب والأرواح، أما نبلاء الفكر فإنهم يجدون فيه النبل كلَّهُ، والشهامة كلَّها، ‏والعظمة كلَّها... وكمْ من خيالٍ فَتَنَه، ومِذْواقٍ سحره، وبلاغةٍ ركعتْ لبلاغته.‏

لقد مَزَّقَ القرآنُ أكفانَ الصمت عن النبُّوات السابقة، وأقام الأنبياء السابقين من مراقدهم، واستنطقهم ليقولوا كلمة الحق في ‏محمد صلى الله عليه و سلم، وليأنس بأنفاسهم، ويتأسَّى بسيرهم وبما لاقَوْه من عَنَتِ أقوامهم، وما صبَّوه عليهم من نُكْرٍ وعذاب.‏

لقد هَزَّ محمد صلى الله عليه و سلم بنداءاَتِهِ قلب السماء فانتفضتْ حتى غدت جعبة سهام نارية تنطلق لتصميَ أفئدة الشياطين ‏وأتباعهم من المشركين، أينما وجدوا وحيثما كانوا.‏

وبين قلب محمد صلى الله عليه و سلم وقلب الكعبة عشقٌ متبادلٌ عميقٌ موغلٌ في القدم، فهو توأمها في الوجود الغيبي، وهي شطر ‏ذاته، وبعض أجزاءِ جوهر حقيقته في مرايا عالَمِ المثال، ويومَ وَضَعتْ مكةُ وديعتها الغالية بين يدي العالمَ غَطَّت الكعبةَ سحائبُ أسَىً ‏لما ستأتي به الأيام القابلة من فرقة وافتراق قدري لا مناص من وقوعه قبل أن يسمح القَدَرُ وبعد سنين من الكفاح المتواصل بالوصال ‏من جديد.‏

‏* * *‏

هذه - أخي القارئ - بعضٌ من أفكار ومشاعر ومعانٍ جاءت على صفحات هذا الكتاب، وأُريد أن أُنبِّه إلى أَنَّ مؤلف ‏الكتاب العالم الكبير الأستاذ فتح الله كولن لم يزعم أنه في معرض التفسير لما تناوله من آيات قرآنية، على الرغم من امتلاكه لكل ‏شروط المعرفة التفسيرية و أدواتها. وكُلُّ الذي فعله أنه سَجَّلَ في هذا الكتاب ما تلقاه من وَمَضاتٍ والتماعات وإشارات من بعض ‏مَا تَألّقَ في سماء وجدانه المرهف من نجوم القرآن، ومع ذلك فإنه لم يغفل تماماً آراء المفسرين في الآيات التي عرض لها، غير أنه توسع ‏بعض الشيء فيها، وانقدحت في خاطره أفكارٌ وَمَعَانٍ جديدة مضافة، تحتملها الآية من حيث تركيبها اللغوي والبلاغي، ولا تشتطٌُّ ‏أبداً في الابتعاد عن أصول التفسير وقواعده المعروفة. ولا شك أنَّ هذه الخطرات أملتها ظروف العصر، وظروف الدعوة الإسلامية ‏المعاصرة، وأوحت بها معارف العصر وعلومه وتوجهاته الفكرية والروحية، ورحم الله النورسي الذي قال: "إنَّ الزمان أكبر مفسّر ‏للقرآن". وأنا على ثقة من أن هذه الخطرات حول بعضٍ من آي القرآن الكريم سوف تجد لها صدىً واسعاً في فكر القارئ العربي ‏ووجدانه، فترجمة هذه الأعمال الدعوية والفكرية للأستاذ "فتح الله" إلى العربية عملية تنشيطية للأفكار، وهي تبادل معرفي جيد بين ‏عقول المعنيين بشؤون الإيمان وقضايا الإسلام هنا في تركيا وهناك في العالم العربي.‏

جزى الله عنا الأستاذ الفاضل فتح الله كولن خير الجزاء ، وآمل من رحمة الله القدير أن يجعل ذلك في صحائف عمله يوم لا ‏ينفع مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أتى الله بقلب سليم.‏

هذا والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.‏

أديب إبراهيم الدباغ

 
التالى >