|
مارس الأستاذ فتح الله كولن التربية بشكل عملي ولم يكتف بالوقوف عند نظرياتها، فقد جاب بلاد الأناضول طولاً وعرضاً وألقى بذور الإيمان والعقيدة في قلوب الناس ولاسيما منهم الشباب والتقى بهم في المخيمات ودرس أوضاعهم على الواقع، وشخّص الأمراض الروحية والقلبية والعقلية التي تعتري درب السالكين. وبإمتثاله منهج العقيدة وأوامر الشريعة وتحليه بالصفات الحميدة من الصبر والصدق والإخلاص... إلخ أصبح خير قدوة ونموذج لهؤلاء الناس المتعطشين لتطبيق منهج الله في حياتهم وسلوكهم. فقد لامسوا فيه قوة الإيمان والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيل رفع راية الحق والعدالة.
والذي يتابع أسلوب الأستاذ فتح الله كولن في التربية يدرك أنه اراد أن يكون الشباب الذين توصلوا إلى الحق من خلال التربية القرآنية دعائم لتقوية المجتمع المبني على الحب والوئام، ولم يرد تفريق الصفوف وإثارة البلبة والخصام في المجتمع. بل احتضن كافة طبقات الشعب بالود وفتح باب الحوار فيما بينهم للوصول إلى مجتمع قوي مدرك لأهمية وحدة الرأي وجمع الكلمة. لذا التقى المثقفين من شتى الأفكار ومدّ إليهم يده اليمنى ليصافحهم على خير المجتمع والشعب والأمة. وقد سجل الأستاذ فتح الله كولن في مؤلفاته وخطبه ومواعظه ومقالاته فيما بعد أسس التربية ومعالمها وفصلها تفصيلاً في حياة الفرد والأسرة والمجتمع. والدارس لمؤلفات الاستاذ فتح الله كولن يلاحظ انه بعيد كل البعد عن الشدة والتوتر في التربية، بل يركز دائماً على العقل السليم وادراك الوقائع الراهنة، وإلقاء بذرة الخير والصلاح في القلوب الحائزة على تربة صالحة لاستنبات بذور الخير في أرضها. فهو يربط التربية السلوكية لدى الإنسان بإسماء الله ربطاً مباشراً، لأن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولا قوام له إلا أن يتخلق بمقتضيات الأسماء الحسنى المتجلية على الكون والحياة. ويركز دائماً على التربية الصحيحة باتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين هم الرعيل الأول من خير أمة أخرجت للناس. فيورد في خطبه ومؤلفاته آلاف الأمثلة على الصفات الحميدة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بأسلوب يجد الفرد من خلاله هويته الإنسانية والإسلامية ويدرك دوره على مسرح الكون، ويفهم معنى الحياة. وبهذا الخصوص يقول الأستاذ فتح الله كولن: " يعرف الجميع تقريباً ما يتعلق بالتربية البدنية. ولكن من يعرف قيمة التربية الفكرية والعاطفية التي هي الأصل قليل جداً، بينما ينشأ في التربية الأولى إنسان الجسد والعضلات، وينشأ في الثانية إنسان الروح والمعنى. إن إصلاح أي أمة لا يكون بالقضاء على الشرور، بل بتربية الأجيال تربية صحيحة وبتثقيفها ثقافة صحيحة، ورفعها إلى مستوى الإنسانية الحق. وعندما تبذر البذور المقدسة التي هي عبارة عن خليط من الشعور الديني والتاريخي والأعراف في أرجاء الوطن، فسترى نبتات وشتلات عدة وهي تنبت في موضع كل شر محته."[1] فهو يؤمن أن التربية البعيدة عن منهج رسالة القرآن والمتجرد عن سنة المربي الأكبر المرسل من عند الله تعالى صلى الله عليه وسلم تربية لا توصل الإنسان إلى مرتبة يحظى من خلالها على السعادة الحقة في أعماق الروح وغوائر الفكر وحقائق الحياة. ذلك لأن الإنسان ليس عبارة عن كيان مادي فقط بل هو مركب عجيب يحمل أسرار عوالم ما وراء المادة، ولا سعادة له إلا بتنوير هذه العوالم في فكره وروحه وقلبه والأتصال بها بتفادي الأسباب المادية التي تقيد الإنسان وتحصره. فهو يحث على التربية فيقول: " يجب أن تولى أهمية لدروس التربية والثقافة الدينية في المدارس بقدر الأهمية المعطاة للدروس الأخرى في الأقل، حتى تتربى أجيال قوية في خلقها وسلوكها وروحها فيحولوا ربوع هذا الوطن إلى جنة والتعليم شيء والتربية شيء آخر. فمن الممكن أن يكون أكثر الناس معلمين، ولكن القلة فقط منهم يستطيع أن يكون مربياً. مع كون دروس التربية الدينية والثقافة الدينية مهمة وضرورية جداً، إلاّ أن الأهمية المعطاة لها في المدارس قليلة. فإذا استطعنا يوماً أن نتلافى هذا الامر ونسد هذا النقص نكون قد خطونا خطوة هامة جداً في مضمار تقدم هذه الأمة وإتخذنا أصوب قرار. إن أرواح الأطفال أصفى مرآة، وأسرع آلة تصوير. والمدرسة الأولى لهم هي بيوتهم، وأول المربين لهم هم أمهاتهم. لذا فإن إعداد الأمهات كمربيات صالحات أساس مهم من أسس بقاء الأمة."[2] فالتربية لدى الأستاذ لها أنماط وأساليب ومراحل ودرجات في حياة الفرد والأمة على نطاقها المحلي والعالمي. فيجب صياغة الإنسان حسب دواعي هذه الأنماط والمراحل. والعبادة لها دور كبير في تغذية فكر الإنسان وقلبه وروحه وتوجيه لطائفه وحواسه نحو البناء بدلاً عن الهدم وإلى الصلاح دون الخراب. ولها تأثير عميق في ترسيخ العقيدة في القلوب وتحويل الفكرة إلى الفعل. وبهذا الخصوص يقول: "العبادة نبع فياض مبارك لتقوية نواحي الخير والجمال والصدق في فكر الإنسان، وإكسير سحري يصلح أهواء النفس ونزعاتها الشريرة فيجعله أشبه بالملائكة. والشخص الذي يتوجه إلى هذا النبع كل يوم عدة مرات بالفكر والذكر هو شخص عازم على السير في درب (الإنسان الكامل) ويكون قد عثر على الملجأ الذي يحفظه من دسائس الشيطان. العبادة هي عملية إنماء الجوهر الملائكي الموجود في روح الإنسان لكي يكون أهلاً للجنة، وعملية سيطرة على نزعاته الحيوانية."[3] والتأمل يفتح أفق الإنسان ويدفعه ليتخلص عن طبيعته الحيوانية منطلقاً في أرجاء عوالم الغيب من عالم المعنى والمثال والروح والبرزخ والآخرة. والتفكر في آيات الكتاب المقروء القرآن الكريم أو في آيات الكتاب المنظور الكون يفتح لمدارك الإنسان آفاقاً شاسعاً لأدراك عظمة الله وجلاله ويجتث ويقتلع الشرك والضلالة من القلب ويوجه الفكر نحو النظرة الصحيحة والتفكير القويم. فالأستاذ فتح الله كولن يرى أن الإنسان يلزم عليه أن يرتقي إلى مستوى الحياة القلبية والروحية الفياضة بالمعاني السامية الرفيعة كي يقف حيال دسائس النفس والشيطان. ويجب على الإنسان أدراك عجزه أمام قدرة الله وفقره تجاه غناه، وبمستوى هذا الادراك والحس يتقرب العبد إلى الله. وللحكمة دور كبير في التربية لدى الأستاذ فتح الله كولن، فلا يتناول موضوعاً من المواضيع إلا ويقرنه بالحكمة ويوزنه بها. والحكمة في التربية تبرز بدراسة نفسية الإنسان واستجابته للتلقينات الإيجابية ودراسة الظروف المحيطة به والوسائل المستخدمة في التربية. فيروى أن الأستاذ فتح الله كولن رأى يوماً من الأيام بعض تلامذته الشباب أمام باب السينما، وعندما حضرو نادى احد أعوانه أحد أعوانه أن يجئ بالسياط، فأحس الشباب بذنبهم وأحاط بهم الرعب من أن ينهال عليهم بالسياط، وعندما جئ بالسياط نزع الأسـتاذ ملابسه وكشف عن ظهره قائلاً للشباب: - هيا اضربوا... هيا اضربوا. ولم يتجاسر أحدهم من أن يقرب عنه. فكرر الأستاذ الخطاب: - هيا اضربوا... هيا اضربوا.. إنني لم استطع أن اربيكم تربية حسنة... فاستحققتُ الضرب هيا اضربوا... هيا اضربوا فبكى الشباب واغرورقت أعينهم بالدموع وغيشهم الأسى، قائلين: - لا نذهب ولن نذهب بعد اليوم إلى السينما أبداً أبداً. فأصبح مثل هذا التصرف الحكيم من الأستاذ درساً كبيراً لهؤلاء الشباب، حتى أصبح اليوم كل واحد منهم قدوة حسنة لمئات من الناس.
[1] كتاب الموازين ص [2] كتاب الموازين ص 102 [3] كتاب الموازين ص 211 |