أمـثـلـة من فـطـنته صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

1- تـعمير الكـعـبة

كان الناس في الجاهلية أهل فتنة وفساد. فكأن وظيفتهم في هذه الحياة هي إيقاد الفتنة. فما أن يجتمع منهم ثلاثة، حتى تظهر بينهم فتنة. ولا شك أن القيام بجمع مثل هؤلاء الناس على صعيد واحد وتربيتهم وتهيئهم ليكونوا أساتذة العالم فيما بعد يعد معجزة خاصة برسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد أنجز هذه المهمة بفطنته ذات البعد السماوي.

لقد توافق أن بدأ المشركون في تعمير الكعبة قبل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم. وما أن انتهوا من تعمير البناء حتى كادت أن تقوم بينهم فتنة عظيمة وحرب ضروس بسبب اختلافهم على وضْع الحجر الأسود في مكانه. فكل قبيلة تتمنى أن يكون لها هذا الشرف، ومن ثم استلت السوف من أغمادها وأخرجت السهام من كنائنها وأشرعت الرماح. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بُعِث بعد نبياًّ؛ ولكن بذرة النبوة كانت مكنونة في روحه تنتظر مجيئ الربيع لكي تزهر وتتفتح... كان الوضع ينذر بقتال مشؤوم؛ وما كان أحد يدري كم ستطول هذه الحرب الداخلية إن نشبت، ولا عدد الضحايا الذين سيقعون فيها، ولا مقدار الأموال التي ستتلف، ولا يدري أحد كيف خطر ببال أحدهم أن يقترح تحكيم أول من يدخل عليهم من الباب الفلاني، وأن عليهم أن يقبلوا حُكْمه، وكيف قَبِل الجميع هذا الاقتراح. لقد بدأوا ينتظرون بلهفة أول قادم عليهم من هذا الباب... وهنا كان سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم أول الداخلين من هذا الباب.. عندئذ هتفوا بسرور: "هذا الأمين، رضينا، هذا محمد" وعندما أخبروه بالأمر ودون حاجة إلى أي تفكير طلب منهم أن يأتوه برداء، فلما فعلوا وضع الحجر الأسود في وسطه وأمسك كل رئيس قبيلة بطرف منه وساروا حتى موضع الحجر حيث حمله سيدنا ووضعه في مكانه.[1]

وهكذا حال دون وقوع حرب داخلية كبيرة بين القبائل. ولم يجد حاجة إلى أي تفكير لحل هذه المعضلة، بل توصل إلى الحل بسرعة وفي سهولة ويسر... أليس هذا منطق النبوة؟.. في الحقيقة إنه لم يكن قد بُعث بعدُ نبياًّ ولم يكن الوحي قد نزل عليه. غير أن هذا كان منطق وفطنة الشخص المرشح لوظيفة كبيرة ومهمة صعبة مثل مهمة النبوة... أجل، كان عنده منطق فوق المنطق الاعتيادي وعقل فوق العقول وفطنة فوق الفطن... وكان هذا ضرورياًّ لشخص سيحمل دعوة كدعوة القرآن الكريم.

2- إسلام حُـصين

لقد جاء حُصين إلى النبي صلى الله عليه و سلم ناويا نصحه وإقناعه بترك دعوته. ولقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يملك قدرة خارقة في معرفة محدِّثه والوقوف على مستواه، لذا نراه يخاطب محدثه بعبارات غاية في الدقة بحيث لو بُدّلت كلمة واحدة منها، أو وُجهت نفس العبارات إلى إنسان آخر له شخصية مختلفة عن الأول لَما وصل إلى الهدف المنشود أبدا؛ فرسول الله لا يبارَى أبداً في انتقاء الكلمات المناسبة وفي معرفة مستوى الشخص الذي يخاطبه؛ ومن المستحيل أن تجد أحداً آخر له مثل هذه القابلية. لقد كانت هذه ملَكة طبيعة عنده بحيث يَعرِف ويَعيِّن بسرعة أينَ، ومع مَنْ يتكلم، وكيف يتحدث؛ ومن ثم كانت كل كلمة ينطقها ضرورية وفي محلها تماما؛ فكما لا تجد في أي كلام أو حديث له كلمة خاطئة، كذلك لن تجد فيه أي كلمة زائدة ليس لها ضرورة. دققوا إن شئتم كل كلام تحدث به كلمة كلمة فلن تجدوا كلمة واحدة زائدة لا لزوم لها في أي جملة من جمله... فإذا لم يكن هذا فطنة فما هو؟

انظروا كيف سحرت هذه الفطنة حُصيناً... فبعد أن أنهى حُصين كلامه سأله رسول الله صلى الله عليه و سلم بكل رقة وأدب: «يا حُصين! كم تعبد من إله؟» قال: سبعاً في الأرض وواحداً في السماء.[2] قال صلى الله عليه و سلم: «فإذا أصابك الضر من تدعو؟» قال: الذي في السماء. قال «فإذا هلك المال من تدعو؟» قال: الذي في السماء. قال: «فيستجيب لك وحده وتُشرِكهم معه، أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟» قال: ولا واحدة من هاتين. قال: «وعلمت أني لم أكلم مثله» قال: «يا حُصين! أَسْلِمْ تَسْلَمْ.» قال: إن لي قوماً وعشيرة، فماذا أقول؟ قال: «قل اللهم إني أستهديك لأرشد أمري. وزِدْني علماً ينفعني.» فقالها حُصين فلم يقم حتى أسلم.فقام إليه عمران[3] فقَبَّل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه و سلم بكى وقال:

«بكيتُ من صنيع عِمران، دخل حُصين وهو كافر فلم يقم إليه عِمران ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة»، فلما أراد حُصين أن يخرج قال صلى الله عليه و سلم لأصحابه: «قوموا فشيِّعوه إلى منزله.» فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ. وتفرقوا عنه.[4]

والحقيقة أن الجمل الواردة في هذا الحوار جمل بسيطة جداًّ وواضحة ومختارة بشكل مناسب لوضع حُصين ولمستواه العقلي، فلم يبق أمام حُصين بعد الجملة الأخيرة للرسول صلى الله عليه و سلم سوى التلفظ بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

أي أن الشخص المخاطب هنا ليس أمامه سوى سبيلين: إما النطق بالشهادتين والحصول على النجاة الأبدية، أو الاستمرار في العناد وترك مجلس الرسول صلى الله عليه و سلم دون النطق بكلمة واحدة... ولم يكن أمامه خيار آخر.

3- الـتـحدث حسب مستوى البدوي

البدوي إنسان يعيش في الصحراء... قد ينسى حاجاته في مكان، وقد يصادف عاصفة رملية فيجأر بالشكوى... تأملوا حال مثل هذا الإنسان... ماذا يفعل إن ألـمّت به مصيبة أو حاصرته ضائقة..؟ لا شك أنه سيقول ما قاله حمزة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه و سلم... قال حمزة للرسول صلى الله عليه و سلم في أثناء اهتدائه للإسلام: "يا محمد، يا ابن أخي..! عندما أجوب الصحراء بالليل أُدْرِك أنّ الله أكبر من أن يوضع بين أربعة جُدران."

أجل، هكذا كان يقول كل من رأى عدم نفع اللات والعُزّى وهُبَل، لأن ضمائرهم كانت تهتف بهذه الحقيقة الموجودة في أعماقهم... وكانت هذه الضمائر تقول الحق. لذا، فكم من أناس جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم وهم في هذه الحالة النفسية والروحية؛ وبعد قيامهم بطرح أسئلتهم البدوية وتلقيهم أنسب الأجوبة وأكثرها ملاءمة لحالتهم ولعالمهم الروحي، يعلنون عن اهتدائهم للحق ويصبحون نجوماً متلألئة في سماء الهداية.[5]

يروي الإمام أحمد بن حنبل عن أبي تميمة الـهُجيْمي رضي الله عنه عن رجل من قومه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم أو قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله؟ أو قال: أنت محمد؟ فقال: «نعم»، قال: فإلامَ تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله عز و جل وحده مَنْ إذا كان لك ضُرّ فدعوتَه كشفه عنك، ومن إذا أصابك عام[6] فدعوته أنبت لك. ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللت فدعوته رَدَّ عليك» قال: فأسلم الرجل.[7]

ما أروع هذا الكلام الموجه للبدوي! فكل جملة فيه تخاطب موضوعاً حيوياًّ بالنسبة إليه: الجدب، البلايا، المصائب، المصاعب في حياة الصحراء...

فهو يحدثه عن هذه البلايا والضنك والمصاعب التي يعرفها البدوي عن قرب، ثم يحدثه عن القوة اللانهائية التي لا ملجأ ولا منجى منها إلا إليها. إنه يخاطب ضميره الذي يرتفع فيه صوت هذه المعاني؛ ولكن البدوي لم يكن قد أدرك بعدُ معنى هذا الصوت. فكأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام بتفسير وتعليم معاني هذا الصوت الداخلي عنده بحديثه هذا. كان تأثير حديث الرسول صلى الله عليه و سلم قوياًّ في نفس البدوي الذي لم يجد بداًّ من إعلان إسلامه.

إن الحديث مع بساطته وخلوه من تكلف البلاغيين إلا أنه كان مطابقاً لحال البدوي وملائماً لمستواه ومالكاً عليه جوانب نفسه؛ فلم يجد البدوي بداًّ من الاستسلام.

هل غيرُ رسول الله صلى الله عليه و سلم استطاع أن يحول أناساً قاسية قلوبهم إلى ملائكة رحيمة على مدار التاريخ كله؟ إنه استطاع باستخدام الطاقات الموهوبة له من قبل الله تعالى استخداماً حكيماً أن يحدث انقلابا عظيما وثورة عظمى لا يزال المؤرخون وعلماء الاجتماع يرون فيها لغزاً مستعصياً على التفسير. فالجواهر التي أودعها النبي صلى الله عليه و سلم أودية الحياة الاجتماعية صنعت أمواجا متلاحقة وصلت حتى ساحل عصرنا الحالي، وسيستمر هذا إلى يوم القيامة بلا شك. فاليوم نرى أن هناك إقبالا على الإسلام في جميع أنحاء العالم؛ وليس هذا إلا نتيجة للأمواج التي أحدثها النبي صلى الله عليه و سلم في الحياة الاجتماعية والتي وصلت إلى ساحل عصرنا الحالي؛ وإلا فإلى من يُعْزَى إحداث هذه الجاذبية المقدسة وهذا التأثير الذي دام عصوراً عديدة إن لم يُعْزَ إلى النبي محمد صلى الله عليه و سلم؟ وهل هناك إنسان آخر يمكن أن يكون صاحب هذا التأثير وهذه الجاذبية القوية؟.. كلاَّ!. أبداً، إنه هو الفرد الفريد في الكون وفي الزمان... نعم، كل شيء كان لوجهه الكريم.

4- خطابه للأنصار في حُنين

مثلما كان سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم يحل أعضل المسائل بكل سهولة ويسر، ويفك عقد أعقد المشاكل بأسرع وقت ودون أي تأخير؛ كان كذلك يحتفظ بهدوئه ورباطة جأشه أمام المشكلات والحوادث الفجائية، فيتعرض لتلك المشكلة ويجد لها الحل الملائم في أقصر وقت. فإن دققتَ كل حركة من حركاته وكل خطوة من خطواته، وكل جملة بل كل كلمة من كلماته وجدتَ أنها جميعاً حُسبت بحساب دقيق ووُزنت بميزان حساس جدا، وأنها كانت في موضعها المناسب وفي وقتها الملائم تماماً. فلو كان هناك أي خطإ في التوقيت، أو لو أ هملت أي جملة من كلامه لما كان في الإمكان تحقيق كل هذا النجاح وهذا التوفيق. علماً بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يعيِّر حركاته هذه ولم يكن له الوقت الكافي للتفكير فيها طويلا. إذن، فكيف يفسر مثل هذه الحوادث إن لم يكن صاحب فطنة خارقة..؟ أجل، كان نبيا، وكان منطقه منطق الأنبياء... يفكر كنبي، ويتصرف كنبي فلا يعرف الفشلُ إليه سبيلاً. بل لا يعرف إلا النجاح في أعلى ذروته، فلا يمكن لأحد أن يصل إلى ما وصل إليه أبدا. وهناك الكثير من الحوادث عديدة التي تبرهن على هذا ولقد اخترنا منها حادثة واحدة نظراً لأهميتها.

دارت معركة حُنين بعد فتح مكة، وقام الرسول صلى الله عليه و سلم بتوزيع أكثر غنائمها على الأشخاص الذين أراد تأليف قلوبهم، وكان معظم هؤلاء من أشراف القوم ورؤساء القبائل ممن لهم كلمة مسموعة، وكان هذا أمراً ضرورياً لتأليف قلوب هؤلاء بعد فتح مكة لكي تستمر الفتوحات ولا يتوقف زخمها، لأن قسماً من هؤلاء أسلموا دون رغبة كافية، فإن لم تُطَيَّب قلوبهم وإن لم تتم إذابة الجليد فيها لكان من المحتمل أن يكون خطرهم أشد من خطرهم وهم في مرحلة الكفر فيُضروا بالإسلام ضرراً بالغاً ويكونوا خطراً عليه. ومن ثم فإن قيام الرسول صلى الله عليه و سلم بخطوة تأليف قلوبهم كان نتيجة فطنته عليه الصلاة والسلام. كانت الغنائم المفروض تقسيمها آنذاك تبلغ 6000 أسير و24000 ناقة و 40000 من الماشية و 4000 أقة من الذهب والفضة.[8]

وعند توزيع هذه الغنائم خص الرسول صلى الله عليه و سلم أهل مكة بمعظمها وأعطى بعض الأشخاص عطايا كبيرة. وهؤلاء كانوا -كما قلنا- من الذين يريد الرسول صلى الله عليه و سلم تأليف قلوبهم واستمالتها إلى الإسلام، وكان هذا شيئاً مفيداً وضروريا؛ فمثلاً أعطى آل أبي سفيان 300 ناقة و120 أقة من الفضة، وأعطى حَكيم بن حِزَام 300 ناقة ونصير بن حارث 100 ناقة، وقَيْس بن عَدِيّ 100 ناقة وصفوان بن أمية 100 ناقة وحويطب بن عبد العُزَّى 100 ناقة والأقرع بن حابِس 100 ناقة وعيينة بن حصن 100 بعير ومالك بن عوف 100 ناقة. وعدا هؤلاء خص بعض الرجال المهمين بـ(40-50) ناقة.[9]

كانت الغنائم المقسمة عبارة عن نوق أو ذهب أو فضة... ولكن الغاية كانت منحصرة في الذود عن الدين وتأليف القلوب وتقريبها للإسلام، ذلك لأن فتح مكة كان قريب العهد وكانت بعض قلوب أهل مكة منكسرة، لقد كان شرف مكة في نظر أهلها كل شيء ، لذا فقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم باستغلال فرصة هذه الغنائم أفضل استغلال لجبر الخواطر ومداواة الجروح.

غير أن هذا التقسيم أثار بعض حفيزة بعض الأنصار ولاسيما الشباب منهم حتى قال بعضهم: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه و سلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. لقد كان هذا الكلام بداية لفتنة... لم يكن من المهم أن قائليه كانوا قِلَّة. فلو لم توقف هذه الفتنة لاتسعت وانتشرت كانتشار النار في الهشيم... كما أن أي اعتراض على النبي صلى الله عليه و سلم يحبط عمل صاحبه ويجرده من دينه وإيمانه ويجعله من الخاسرين خسراناً أبديا، وهذه المصيبة لعمري أعظم من مصيبة الفتنة.

قام سعد بن عبادة على الفور بإخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأمر. ومع أن قائلي هذا الكلام كانوا من الشباب، إذ لم يخطر شيء من ذلك على عقول المسنين، إلا أنه كان من الضروري إطفاء هذه الفتنة بسرعة وإلا اتسعت. أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجتمع الأنصار في مكان وحدهم دون غيرهم... ثم خطب فيهم الرسول صلى الله عليه و سلم الخطبة التالية.

«يا معشر الأنصار! مقالةٌ بلغتني عنكم وَجِدَةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم.»

هذه البداية بداية مذهلة من الناحية النفسية للحاضرين؛ ذلك لأن أحداً لم يكن يتوقع هذا الكلام، فمعظمهم لم يكن يعرف سبب الاجتماع، لذا كانت هذه الجملة بمثابة لطمة فجائية ثابت معها النفوس إلى رشدها. ولم يكن في وسع الصحابة حينئذ أن يعترضوا على رسول الله... كل ما هنالك أنه كان من الممكن حدوث غضاضة في بعض النفوس وكان بإمكان النبي صلى الله عليه و سلم إزالتها.

أحدثت هذه الجملة الأولى لرسول الله صلى الله عليه و سلم تأثيراً كبيراً في قلوب الذين شعروا من قبل بالغضاضة... إذ لَـمُّوا شتات نفوسهم واتجهت عيونهم إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، فلا ريب أن ما سيقوله بعد ذلك بالغ الأهمية. كان على رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يديم هذا الزخم حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، فقال صلى الله عليه و سلم: «ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟.»

فقال الأنصار: بلى يا رسول الله... الْمَنَّ لله ورسوله.

عند ذلك حوَّل رسول الله صلى الله عليه و سلم دفة الحديث... فبعد أن ثارت المشاعر وهاجت العواطف بدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم يتكلم باسم الأنصار ويقول بما كان يمكن أن يقوله الأنصار في أسوإ الظروف، علماً بأن أيّ مسلم لو قال مثل هذا الكلام لنبيه لحبط عمله.

استمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطابه فقال:

«ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله. قال: «واللهِ لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّنّاك، ومخذولاً فنصرناك»

فقالوا: المن لله ولرسوله.

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:

«أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفْتُ بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رِحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رحالكم؟ فوالذى نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شِعْباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.»

فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم وقالوا: رضينا بالله رباًّ ورسوله قسماً ثم انصرف وتفرقوا.[10]

هذه الخطبة القصيرة المركزة أطفأت فتنة كادت أن تقع، وكسبت قلوب الأنصار مرة أخرى، ولا أظن أنه يمكن إيضاح هذا الموقف إلا بالرجوع إلى صفة "الفطنة" مرة أخرى.

فلتقوموا الآن بتحليل هذا الخطاب جملة جملة وكلمة كلمة، وضعوا التوقيت في نظر الاعتبار، ثم قوموا بقياس المسافة التي قطعتها أرواح الصحابة ونفوسهم اعتباراً من الجملة الأولى وانتهاء بالجملة الأخيرة. وضعوا أيديكم على ضمائركم وقولوا بالله أيستطيع أحد -غير رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم- القيام بإلقاء مثل هذا الخطاب الرائع بصورة ارتجالية ودون تفكير مسبق أو تحضير مسبق؟ إن صاحب كل ضمير حي يسمع الجواب نفسه في أعماق وجدانه بشرط أن يطالع الأمور ويحللها بصورة حيادية وموضوعية وألاّ يكون معانداً أو صاحب فكر مسبق.

ولنحلل سويا هذا الخطاب بشكل موجز، ولندع التحليل التفصيلي له لعلماء النفس وعلماء الاجتماع في المستقبل، لكي يُهدوا للإنسانية بُعدا آخر في فهم فطنة النبي صلى الله عليه و سلم من وجهة نظرهم.

أولاً: كان هذا الخطاب موجهاً للانصار فقط، ذلك لأنه لم يكن للمهاجرين ولا لأهل مكة أي دور أو ضلع في هذه الحادثة التي استوجبت هذا الخطاب؛ فلم يكن هذا الخطاب ليجذب انتباههم أو يعنيهم في شيء؛ لذا، فوجودهم بين المستمعين كان سيَحُول دون حصول التركيز المطلوب للاهتمام لدى الأنصار، علماً أن هذا التركيز كان مهماً آنذاك.

ثانياً: أن السماح للأنصار فقط بحضور ذلك الاجتماع أرضاهم نفسياً وجعلهم يشعرون بالفخر وبالمباهاة، فانفرادهم في اجتماع مع رسول الله صلى الله عليه و سلم كان له تأثير نفسي إيجابي عليهم.

ثالثاً: كان من الممكن أن يكون في الخطاب ما يمس -ولو قليلاً- مشاعر أهل مكة أو مشاعر المهاجرين مثل تعبير: «أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير.»

رابعاً: في ختام الخطاب كان هناك مدح خاص للأنصار ودعاء لهم. وكان من الممكن أن يجد المهاجرون -وهم الذين تركوا أموالهم وديارهم في سبيل الله- غضاضة من عدم اشتراكهم مع الأنصار في مثل هذا المدح وهذا الدعاء.

خامساً: هذا الخطاب خطاب رائع من ناحية الفصاحة والبلاغة، أي خطاب رائع إن نظرنا إليه من زاوية الأدب والبلاغة فحسب.

سادساً: في بداية الخطاب كانت هناك هِزة لمشاعر المستعمين، ثم ترضية لنفوسهم وتسكين لها. وعندما تكلم باسمهم جعلهم في موقف المستمع والمنصت فقط وهذا شيء رائع.

سابعاً: إن أسلوب الخطاب الذي كان ينضح بالإخلاص الكامل والصدق الخالص والتجرد السامي، والخالي من اللعب بالكلمات أو التزويق المصطنع لم يبق للمستمعين قول أي شيء آخر. وهذا شيء مهم جداًّ من ناحية الوصول إلى النتيجة المطلوبة.

ثامناً: إن إلقاء الخطاب بشكل ارتجالي ودون تفكير مسبق أو تهيئة مسبقة زاد من التأثير الإيجابي له.

هذه الأمور وأمور أخرى أيضاً قد تخطر على البال ترينا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يحل المشاكل والمصاعب تبعا لهواه الشخصي، بل كان الوحي والإلهام والفطنة المهداة له من رب العالمين.



[1] «المسند» للإمام أحمد 3/425؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 1/209
[2] الإله الذي عناه في السماء هو الله تعالى، الذي لم يستطيعوا إزالته من القلوب. ذلك لأن فكرة الله تعالى فكرة وإيمان راسخ قد امتدت جذوره إلى القلوب، بحيث أن العهد الجاهلي الطويل لم يستطع مسحه وإزالته. ويكفي هنا أن يقوم اللسان بالترجمة الأمينة والصادقة لصوت القلب.
[3] عمران وهو ابن حصين. (المترجم)
[4] «الإصابة» لابن حجر 1/337
[5] انظر: «كشف الخفاء» للعجلوني 1/132
[6] عام: أي جدب ومجاعة وقحط. (المترجم)
[7] «المسند» للإمام أحمد 4/65، 5/64؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 8/72
[8] «كتاب المغازي» للواقدي 3/993-943
[9] «كتاب المغازي» للواقدي 3/993-996؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 4/413-414؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 4/359-360
[10] مسلم، الزكاة، 132-141؛ البخاري، مناقب الأنصار، 1-2، المغازي، 56؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 4/411
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri