الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 5
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
كـان صلى الله عليه و سلم مـفـطـوراً على الـتبليـغ
الـحـرص فـي تـبليغ الـدعـوة
هـمّ الـدعـوة يـؤرِّقـه
الـرسـائـل إلـى رؤسـاء الـدول
صـلـح الحُديبية من زاوية الـدعـوة

أ- أسـس مـهمة فـي دعـوتـه صلى الله عليه و سلم‏

إن هناك أسسا مهمة في الدعوة والتبليغ، وقد ذكرنا بعضا منها، والآن نسترجع ذكر تلك الأسس باختصار لنستكمل ذكر الأسس الأخرى.‏

الأول: الفطنة في الدعوة والتبليغ، وتستطيع أن تسمي هذه الفطنة بـ"منطق النبوة".‏

الثاني: التمثيل الجيد للدعوة إذ يجب أن يعيش صاحب الدعوة دعوته في جميع مظاهر حياته، وقبل أن يدعو الآخرين إلى دعوته عليه أن يطبقها على نفسه ويعيش دعوته أولا.‏

الثالث: أن تكون النتيجة المبتغاة من الدعوة رضا الله تعالى وحده، فلا يجب أن تكون لدعوته غاية غير هذا ولو الجنة. وهذا يعني التضحية بجميع الفيوضات والمنافع المادية منها ‏والمعنوية.‏

‏1- الفـطـنة الداخلية

هناك جانب الفطنة في دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم. والفطنة هنا ليس مجرد منطق بارد. بل منطق يمتد من الظاهر إلى الباطن ومن الدنيا إلى الآخرة. فكما أن للإنسان ‏جانب منطقي، فله كذلك جانب عاطفي، والذين يخاطبونه من جانبه العاطفي قد يفشلون عند وجود ثغرة في جانبه المنطقي. بينما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يخاطب ‏الحواس والمنطق والحدس في آن واحد. فلا يهمل الأشياء المادية المرئية عند تناوله للإنسان، بل يجعلها ممراً للنفوذ إلى روحه. وهو يستعمل العقل ويدعو إلى استعماله ويهتم ‏باستعمال المنطق والمحاكمات العقلية ويخاطب الضمائر عن طريقها. فكل من سمع صوته في وجدانه وصل إلى الحقيقة أسرع ممن يخاطب الوجدان وحده. فالفلاسفة من أمثال ‏‏"باسكال (‏Pascal‏)" و"بِرغسون (‏Bergson‏)" وغيرهم من الذين أرادوا الوصول إلى الله عن طريق الحدس (‏Intuition‏) مكانهم وراء التلاميذ الذين ‏رباهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بمراحل بعيدة برغم أن هذا الميدان المفروض أنه ميدانهم. أما في ساحة الفضيلة والخُلق العام فلا يمكن أن نضعهم حتى بجانب أقل مؤمن.‏

وكما لا يمكن الوصول إلى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم في أي ساحة وفي أي ميدان، فإننا نرى هذا الأمر سارياً في موضوع الفطنة أيضاً. فقد غلب خصومه بثاقب ‏بصره، وجعلهم يستسلمون له... فمثلاً نراه يرفع أصبعه مشيراً إلى الأصنام وقائلاً: ماذا تأملون من هذه الأحجار والأخشاب والتراب..؟ وبعد أن يخاطب عقل محدِّثه يأخذ بيده ‏ليقربه إلى القلب أيضاً بطريقة خارقة غير اعتيادية وأحياناً بمعجزة، ثم يجعله يتقدم خطوة أخرى وينصبغ باطمئنان الإيمان ويذوق حلاوته حتى يصبح شخصاً آخر هَمُّه الحياة ‏الأخرى.‏

لنأخذ مثلاً السيرة الروحية لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد قال له صلى الله عليه و سلم إنه لا يعلم كيف أن شخصاً عاقلاً مثله يبقى بعيداً عن الهداية، ولا يعلم ماذا ينتظر ‏من الأحجار والأوثان.‏

فهو أولاً يمدح عمر بهذه الأقوال، ثم إنه يقول كلاماً يحترم المنطق؛ وبذلك أخذ عمر في راحة يده، ثم نفذ إلى قلب عمر رضي الله عنه بأسلوبه الهادئ الذي يبعث الأمن ‏والطمأنينة والثقة، وفي المرحلة الثالثة استطاع بعبوديته العميقة أن يجعل عمر الذي كان جباراً في الجاهلية يجلس بين يديه جلسة تلميذ مؤدب أمام استاذه الكبير.‏

لنعط هنا مثالاً ملموساً قبل الانتقال إلى الأسس الأخرى:‏

جاء شاب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والصحابة لا يذكرون اسم هذا الشاب، ولكن إن قمنا بجمع الروايات وتوحيدها نعلم أنه جُليبيب رضي الله عنه وقال له: ائْذَنْ ‏لي يا رسول الله بالزنا. لننقل الرواية كاملة:‏

عن أبي أمامة قال: إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله ائْذَنْ لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: «ادنه» فدنا منه قريباً قال ‏فجلس:‏

قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك.‏
قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟»‏
قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك.‏
قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم.» قال: «أفتحبه لأختك؟»‏
قال: لا والله جعلني الله فداءك.‏
قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» قال: «أفتحبه لعمتك؟»‏
قال: لا والله جعلني الله فداءك.‏
قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» قال: «أفتحبه لخالتك؟»‏
قال: لا والله جعلني الله فداءك.‏
قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم»‏
قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفرْ ذنبَه وطَهِّرْ قلبَه وحَصِّنْ فَرْجَه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلي شيء.[1]‏

لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذا الحوار المنطقي مع الشاب أن يجعله بين راحتي يديه يوجههه الوجهة التي يريدها... ثم وضع يده على صدر هذا الشاب داعياً ‏‏«اللهم اغفرْ ذنبَه وطَهِّرْ قلبَه وحَصِّنْ فَرْجَه.» فأصبح جُليبيب بعد هذا الدعاء مثال العفة... ولم يرض أحد أن يزوج جليبيبا ابنته، لأن حياته الماضية كانت معروفة لديهم. وهنا ‏تدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم وزوج جُليبيباً.[2] ثم استشهد رضي الله عنه في أول معركة اشترك فيها بعد زواجه... وعندما انتهت المعركة سأل رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم.‏

‏«هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً ثم قال «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً. ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟.» قالوا: لا. قال «ولكني أفقد ‏جُليبيباً. فاطلبوه» فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فوقف عليه فقال: «قتل سبعة، ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه، هذا ‏مني وأنا منه.»[3]‏

نعم! لقد استطاع الرسول صلى الله عليه و سلم بفطنته أن يخلص شابا على حافة الزنا من الآثام، ثم رفعه إلى مثل هذه المرتبة السامية في أقصر وقت ممكن. إن هذا لأمر تحتار له ‏العقول!‏

هب لو أن علماء التربية وعلماء النفس جميعا اجتمعوا وذهبوا إلى شبه جزيرة العرب هل يستطيعون تحقيق التربية والخلق الرفيع الذي حققه رسول الله صلى الله عليه و سلم في ‏مثل هذا الزمن القصير..؟ كلا! لن يستطيعوا ذلك... إنهم لن يفشلوا فقط في تحقيق تلك التربية العالية والخلق الرفيع، بل لن يستطيعوا تحقيق مبدإ واحد أو مبدأين فقط من ‏منظومة هذه التربية... وهذا هو ما يشير إليه الواقع العملي.‏

ولقد عاش رسول الله صلى الله عليه و سلم في عهد فشت فيه الأخلاق الذميمة من كل نوع حتى أصبحت طبيعة في النفوس، ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏باقتلاع هذه الأخلاق السيئة من النفوس بل زينها بأحلى الأخلاق وأجمل الفضائل، فلم تشاهد البشرية مثل هذه الأخلاق قط ولن تشاهد بعدهم أبداً. والتاريخ الإسلامي شاهد ‏صدق على هذا بما يحويه من آلاف الأمثلة، ولعل فشل الجهود المبذولة الآن لمكافحة بعض العادات السيئة يعد شاهدا آخر على ذلك. فعلى سبيل المثال تقوم الدول حالياً بتسخير ‏كل أجهزتها لمكافحة عادة التدخين، ومن ثم نرى الوزارت تشمر عن سواعد الجد، ويقوم المئات من العلماء بعقد الندوات لهذا الغرض وتخرج المطابع سيلاً من الكتب في مضار ‏التدخين وتعلق الدعايات والإعلانات والشعارات... الخ. ولكن ماذا كانت النتيجة..؟ لاشيء.‏

ولكن لنتأمل معا إلى الجماعة التي قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بتربيتها وكيف كانت أقواله تجد طريقها السريع في التطبيق العملي... وإليكم مثالاً واحداً.‏

يقول أنس رضي الله عنه: ...فإني لَقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال: وهل بَلَغكم الخبر؟ فقالوا: وماذاك؟ قال حُرِّمت الخمر. قالوا: أَهرِقْ هذه القِلال يا ‏أنس. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل.[4]‏

نعم! لقد فعل كل هذا، والذين لا يرغبون أن يروا هذا نقول لهم ونحن نشير إلى شبه الجزيرة العربية: "إذا أردتم أن تفعلوا شيئا فاعملوا واحداً من المليون مما عمله رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم هناك..." ولن يستطيعوا ذلك أبداً.‏

‏2- تطبيق الدعوة على النفس أولاً

أحد الأساليب الديناميكية التي استعملها النبي صلى الله عليه و سلم في دعوته، هو جعل طراز حياته مطابقاً تماماً للمقام الذي يمثله. وتمثيله الحق لِما كان يقوله ويدعو إليه كان ‏صادقاً إلى درجة أن من يشاهده ويراه كان يؤمن بالله تعالى من غير حاجة إلى دليل آخر، حتى أن رؤيته مرة واحدة كانت كافية للإيمان بأنه رسول من عند الله.‏

يقول عبد الله بن رواحة:‏

لو لم تكن فيه آيات مبينة
لكان منظره ينبئك بالخبر[5]‏

إن الذين آمنوا به ووهبوا قلوبهم له والذين خاطبوه بـ"يا رسول الله" كانوا هم الذين حكموا العالم وأداروه من بعده. فلم يكن نجاحه محصوراً في إيمان نفر قليل به، فمن بين ‏هؤلاء الذين آمنوا به نجد أبا بكر وعمر وعثمان وعلياًّ رضي الله عنه أجمعين، إذ كان كل واحد منهم شخصية كبيرة تستطيع إدارة العالم بأجمعه؛ فما كان أي من هؤلاء من ‏ذلك الطراز الذي يمكن أن يسلم قياده بسهولة لكل من يظهر أمامه؛ فلو كان أمامهم أحد سوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كان أي منهم ليؤمن به أو يسلس قياده. إن ‏شخصا في مستوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي يقول: "لو كُشف الغِطاء ما ازددتُ يقيناً."([6] والذي وصل في إيمانه إلى مستوى "حق اليقين"، أقول إن إيمان ‏مثل هذا الشخص بالنبي صلى الله عليه و سلم يعد دليلاً قائماً بحد ذاته.‏

لقد كانت كل أحواله مؤثرة وساحرة بلغت أن العالم اليهودي عبد الله بن سلام ما إن رآه للمرة الأولى حتى قال: "فلما تبيَّنْتُ وجهَه عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذاب."[7]‏

أجل، لقد كانت رؤيته كافية للإيمان به. والذين أفنوا حياتهم كلها من أجل إيصال صوتهم وآرائهم للآخرين يعلمون مدى صعوبة هذا الأمر أكثر من غيرهم، أي الإيمان بهم من ‏أول لقاء. لأن معظم هؤلاء يقضون حياتهم كلها في جهد متواصل فلا ينجحون إلا في جذب أشخاص بعدد أصابع اليدين. بينما انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، ‏فهل ترون مثيلاً له أو شخصاً آخر يتربع في قلوب ما يقارب مليار شخص؟ وهل هناك شخص آخر غيره يذكر اسمه خمس مرات في اليوم من فوق المآذن في كل أنحاء العالم..؟ ‏إذن، فالإنسانية تحبه وتعلن هذا الحب كل يوم خمس مرات، هذا على الرغم من كل النظم والأشخاص العاملين ضده.‏

أجل، فعلى الرغم من كل شيء فما يزال الرسول محمد صلى الله عليه و سلم متربعاً على عرش القلوب؛ لأنه طبق على نفسه أولاً ما دعا الناس إليه، وعاش مثالاً حياً للمبادئ ‏التي دعا إليها، لذا كانت كلماته تنفذ إلى أعماق الجماهير وتجد طريقها للتطبيق العملي.‏

لقد كان يمثل في نفسه أجمل أنموذج لعبودية الله عندما كان يدعو الناس إلى هذه العبودية. تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتصف مبيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏عندها فتقول:...ثم قال: «ذريني أتعبَّد لربي.» قالت فقلت: والله إني لأحب قربك وإني أحب أن تَعَبَّدَ لربك. فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى ‏بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض. ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله ما يبكيك؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما ‏تقدم وما تأخر؟ فقال: «ويحك يا بلال! وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} (آل ‏عمران: 190).» ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها.»[8]‏

كان يصلي حتى تتورم قدماه. وعندما ذكر له يوماً أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟.»[9] لقد فتحت أمامه أبواب الشكر فكان جهده ‏من أجل ذلك.‏

تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: افتقدت النبي صلى الله عليه و سلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه فتحسستُ[10] ثم رجعت. فإذا هو راكع أو ساجد يقول ‏‏«سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت» فقلت: بأبي أنت وأمي. إني لفي شأن[11] وإنك لفي شأن آخر.‏

وفي رواية أخرى قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعتْ يدي على بطن قدميه وهو في المسجد([12] وهما منصوبتان وهو يقول: ‏‏«اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك.»[13]‏

لو شاء لعاش عيشة رخية وهينة مثل عيشة الملوك. ولقد اقترح عليه في مكة مثل هذا العيش في مقابل التخلي عن دعوته، غير أنه فَضّل حياة الضنك والشدة على حياة الرفاهية ‏والغِنى، وذلك في سبيل دعوته...[14] فضل حياة العبد الرسول الذي يجوع فيتضرع أو يشبع فيشكر على حياة المَلِك الرسول؛[15] لقد كان أسلوب حياته البسيطة الخشنة ‏هو الذي ربط الناس به.‏

لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش أيضاً حياة بسيطة جداً، غير أن ما شاهده من طراز حياة الرسول صلى الله عليه و سلم جعل الدموع تملأ عينيه. يقول عمر رضي ‏الله عنه:‏

‏...وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حَشْوُها لِيفٌ وأنّ عند رجليه قَرَظاً([16] مصبوباً، وعند رأسه أَهَبٌ([17] معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه ‏فبكيت. فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله. إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله. فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟.»([18]‏

صحيح أن زمام الدنيا يجب أن يكون بأيدينا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدرك هذا أكثر من غيره. ولكنه كان يعيش حياته الشخصية بشكل بسيط جداًّ... وفي ‏الحقيقة إنه ما كان يعيش لنفسه بل لغيره... ألم يكن تمثيله لدعوته بهذه الكيفية من أكبر عوامل جذب الأرواح إليه؟

إن في حياة الرسول صلى الله عليه و سلم وسلوكه وتصرفاته وطراز حياته دروساً قيمة للدعاة... أجل، فإن الشرط الأساسي للنفوذ إلى القلوب هو تطبيق الدعوة ومبادئها على ‏النفس أولاً وقبل كل شيء كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم.‏

إذا أردت أن تشرح لأحدهم معنى مخافة الله والبكاء من خشيته..؟ فعليك أولاً أن تقوم في الليل وتبلل سجادتك بالدموع... في نهار تلك الليلة وعندما تدعو الناس ستتعجب من ‏مدى تأثير كلامك عليهم، وإلا ستتلقى صفعة من الآية الكريمة {لِمَ تقولون ما لا تفعلون} (الصفّ: 2) فتلاقيك الخيبة في التأثير على الناس.‏

‏3- عدم انتظار الجزاء‏

كان عدم انتظار أي جزاء دنيوي أو أخروي مقابل القيام بمهمة الدعوة والتبليغ كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم دليلاً آخر على نبوته. لأن هذا من أخلاق النبوة؛ ‏والدعاة الحقيقيون الذين جاؤوا وسيجيؤون من بعده هم الذين يتخلقون بهذا الخلق، والقرآن الكريم يأمرنا باتباع أمثال هؤلاء الذين لا يسألون أجراً من أحد.([19]‏

لقد أنفقت ثروة السيدة خديجة رضي الله عنها في سبيل الدعوة، ولم يطلب الرسول صلى الله عليه و سلم من أحد لنفسه شيئاً. وهذا هو أبو بكر رضي الله عنه من أقرب ‏أصدقائه الذي كان يتهيأ لمرافقته في هجرته إلى المدينة، فأجر راحلة للنبي صلى الله عليه و سلم... فأبى النبي صلى الله عليه و سلم أن يركب تلك الراحلة حتى يدفع الثمن.[20] ‏في تلكم الظروف القاسية التي لا يفكر الإنسان فيها إلا في شيء واحد، هو مطاردة الأعداء له يفكر النبي صلى الله عليه و سلم هكذا. ألا يدل ذلك على شدة تجرده وإخلاصه؟ ‏إذ كيف يستطيع إنسان أن يفكر في مثل هذا الأمر الثانوي في ذلك الوقت العصيب. إن هذه الحادثة درس جيد لدعاة هذا العصر، ينبغي عليهم أن يعوها جيدا.‏

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:‏

دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وهو يصلي جالساً. فقلت: يا رسول الله أراك تصلي جالساً فما أصابك؟ قال: «الجوع يا أبا هريرة.» فبكيت فقال: «لا تبكِ، فإن شدة ‏القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب.»[21] كان الجوع ضجيعه الذي لم يتركه أبداً. عن أبي هريرة رضي الله عنه:‏

خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر. فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع. يا رسول الله. قال: «وأنا، ‏والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما»[22] أجل، الجوع... لقد أنفق ثلاثتهم كل ما يملكون في سبيل الله ولم يبق عندهم ما يسدون به رمقهم، وعندما عضهم الجوع ‏لم يستطيعوا النوم وخرجوا إلى طرق المدينة.‏

هذه هي السواعد القوية التي حملت عبء الدعوة والتبليغ آنذاك، والدعوة الآن تحتاج إلى مثل هذه السواعد القوية لحملها ونشرها بين الناس.‏

وهذه هي ابنته فاطمة رضي الله عنها التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم «فاطمة بَضْعَة مني فمن أغضبها أغضبني»([23] والتي كانت تقوم بأعمال البيت من نقل ‏الماء وطحن الحبوب إذ لم تكن لها خادمة تعينها على ذلك، حتى بدا الإرهاق عليها ووضح أثره في يديها وعلى كتفيها، وكان زوجها علي بن طالب رضي الله عنه يأسى لهذا ‏الأمر غير أنه لم يكن يملك شيئا حياله؛ ودامت هذه الحال طويلا، غير أنها لم تشتك، ذلك لأنها كانت تحمل خلق والدها، كما كانت أشبه الناس بوالدها في قيامها وقعودها ‏ومشيتها.[24]‏

وعندما أصاب المسلمون في إحدى المعارك غنائم وأسرى، وجلبت هذه الغنائم والأسرى إلى المدينة ذهب كل من له حاجة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فأعطاه ما تيسر له، ‏فأشار علي رضي الله عنه على فاطمة أن تذهب وتسأل النبي صلى الله عليه و سلم أن يعطيها خادماً يعينها... ولنستمع إلى الحادثة من علي رضي الله عنه وهو يروي أن فاطمة ‏عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم سبي، فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته ‏عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه و سلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال: «على مكانكما.» فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري. وقال: ‏‏«ألا أُعلِّمكما خيراً مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما تُكبّران ثلاثاً وثلاثين -وفي رواية أربعاً وثلاثين- وتُسبّحان ثلاثاً وثلاثين وتَحمدان ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من ‏خادم.»[25]‏

وها هو يرأى يوماً عند فاطمة رضي الله عنها سلسلة من ذهب فقال لها:‏

‏«يا فاطمة! أيغُرُّكِ أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار»، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاماً فأعتقته فحُدّث بذلك فقال: ‏‏«الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار.»[26]‏

ومما تجدر ملاحظته في هذا الأساس الثالث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم إضافة إلى عدم انتظاره أي جزاء أو منفعة من أحد فإنه كان يتحمل مظاهر العدوان والأذى ‏والخصومة من الآخرين. فكم من مرة حثَوْا على رأسه التراب فلم يسرع له سوى ابنته فاطمة؛ وكم من مرة دميت رجلاه من الأشواك التي كانوا يرمونها على طريقه... وفي ‏إحدى المرات كان يصلي في الكعبة فتَجَمَّع عليه بعض المشركين ووضع أحدهم رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ‏ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.[27]‏

ولم تثن هذه الأفعال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن دعوته، لذا نراه يقول لابنته زينب وهي تبكي من أذى المشركين لوالدها: «يا بنية! لا تخشيْ على أبيكِ غِيلةً ولا ‏ذِلَّة...»[28] ولم يضيعه الله ولم يذله، بل جعل حبه أبدياًّ في قلوب الملايين من أتباعه.‏

وقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر نورد هنا كلمات حول الدعوة والتبليغ. لقد حاولنا حتى الآن أن نشرح أن الدعوة هي غاية وجود الأنبياء ووجود نبينا، فما خلقوا إلا للدعوة ‏والتبليغ. أما نحن فعند قيامنا بهذه المهمة مهمة الدعوة والتبليغ فإننا نقوم بها كوظيفة معينة ومهمة يجب تنفيذها ومسؤولية ينبغي أداؤها، ولكن الأنبياء يقومون بها لأنهم خلقوا ‏لأجلها، فهي بذلك غاية لوجودهم.‏

كما أننا عندما قمنا بتحليل هذا الموضوع حاولنا بيان كيفية أن الرسالة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه و سلم مكتوب عليها "محمد رسول الله". كما قمنا ببيان الطرق ‏والأساليب التي اتبعها في تبليغ رسالته هذه، وكيف أن هذه الأساليب دليل قائم بذاته حول نبوته ورسالته، وأشرنا إلى الطرق السليمة التي لا يتيه ولا يضل فيها الدعاة. فنحن ‏على يقين تام بأنه إذا أريد النجاح الدائم الباقي فليس أمامنا إلا اتباع الطرق والأساليب التي اتبعها النبي صلى الله عليه و سلم، وقد أثبتت آلاف من الحوادث استحالة النجاح ‏والتوفيق بالطرق الأخرى. لذا، فإننا نذكر مرة أخرى بأن على الدعاة الذين يريدون أن يكونوا هداة ومرشدين للناس أن يتبعوا الرسول محمد صلى الله عليه و سلم. فهو المرشد ‏الحقيقي. والطريق الذي خطه هو طريق الهداية الرشيدة، ذلك لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.‏

‏<‏hr noshade color="#0066CC" align="right" width="75%" size="1‎‏">‏

‏[1] «المسند» للإمام أحمد 5/256-257‏
‏[2] «المسند» للإمام أحمد 4/422‏
‏[3] مسلم، فضائل الصحابة، 131؛ «المسند» للإمام أحمد 2/136، 4/422، 425‏
‏[4] البخاري، المظالم، 21، تفسير سورة (5) 10؛ مسلم، الأشربة، 4؛ «المسند» للإمام أحمد 3/217‏
‏[5] «الرسول» لسعيد حوى 1/19؛ وانظر لرواية أخرى الى: «الإصابة» لابن حجر 2/307‏
‏[6] «الأسرار المرفوعة» لعلي القاري ص193‏
‏[7] الترمذي، القيامة، 42؛ ابن ماجة، إقامة الصلاة، 174، الأطعمة، 1؛ الدارمي، الصلاة، 156، الاستئذان، 4؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 2/163-164‏
‏[8] «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير 2/164؛ «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي 4/197‏
‏[9] البخاري، التهجد، 6؛ مسلم، صفات المنافقين، 81‏
‏[10] تحسست: أي تطلبته. (المترجم)‏
‏[11] إني لفي شأن: تعني أمر الغيرة. (المترجم)‏
‏[12] أي في السجود. (المترجم)‏
‏[13] مسلم، الصلاة، 221، 222؛ الترمذي، الدعوات، 75، 112؛ النسائي، الطهارة، 119، التطبيق، 47؛ أبو داود، الصلاة، 148، الوتر، 5؛ ابن ماجة، إقامة ‏الصلاة، 117، الدعاء، 3؛ «المسند» للإمام أحمد 1/96، 118‏
‏[14] «السيرة النبوية» لابن هشام 1/313-314؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 3/80‏
‏[15] «المسند» للإمام أحمد 2/231؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/19-20‏
‏[16] قَرَظاً: ورق شجر يدبغ به. (المترجم)‏
‏[17] أَهَب: جمع إهاب وهو الجلد الذي لم يدبغ. (المترجم)‏
‏[18] البخاري، تفسير سورة (66) 2؛ مسلم، الطلاق، 31‏
‏[19] انظر هذه الآية: {اِتّبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} (يس: 21).‏
‏[20] البخاري، البيوع، 57، مناقب الأنصار، 45، اللباس، 16؛ «المسند» للإمام أحمد 6/198؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 3/218‏
‏[21] «حلية الأولياء» لأبي نعيم 7/109؛ «كنز العمال» للهندي 7/199‏
‏[22] مسلم، الأشربة، 140؛ الترمذي، الزهد، 39‏
‏[23] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 12، 16؛ مسلم، فضائل الصحابة، 93-94‏
‏[24] البخاري، المناقب، 25؛ مسلم، فضائل الصحابة، 98-99‏
‏[25] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 9‏
‏[26] النسائي، الزينة، 39؛ «المسند» للإمام أحمد 5/278‏
‏[27] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 5؛ «المسند» للإمام أحمد 2/204‏
‏[28] «مجمع الزوائد» للهيثمي 6/21

 


آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri