| بين يدي كتاب "ونحن نقيم صرح الروح" |
|
|
| كتب جميل شانلي | fgulen.com | |
| 2005.02.25 | |
|
يرسم الأستاذ فتح الله كولن في كتابه "ونحن نقيم صرح الروح" معالم خط السير الروحي والفكري والقلبي لسالكي درب الدعوة إلى الله تعالى، وما يعتري طريقهم من المخاطر والمزالق والإنحراف، ويبين دواعي النجاح والانتصار بخطوط عريضة واضحة السمات بارزة القسمات لمن يريد الخوض في وطيس حرب مع الجهل والاختلاف والتأخر. فينقل للقارئ اللبيب تجارب غنية مرت على المسلمين في عصور مختلفة وعلى مساحة جغرافية واسعة بدأً من جبال برينة إلى المحيط الهندي ومن قازان إلى الصومال ومن اسبانيا إلى سد الصين. ويبين أهم الصفات والمميزات التي يجب أن يتحلى بها وراثو الأرض من الإيمان الكامل والعلم المستند على العقل والمنطق والشعور والعشق الذي يُعد أهم اكسير للحياة في الانبعاث من جديد واعادة النظر للكون والإنسان والحياة مرة أخرى. كما يشرح عوامل التآكل الذي أصاب المسلمين جميعاً في بنائهم الداخلي من حيث الحياة القلبية والروحية. ويولي أهمية كبيرة للشورى ويقول " الشورى وصف حيوي وقاعدة أساسية لربانيي اليوم كما كانت للورثة الأولين... وأهم خصوصيات الجماعة التي تهب قلبها للإسلام" وينقل مشاهد من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حياة الصحابة الكرام حول أهمية الشورى. ويخصص في الكتاب فصلين كاملين حول الإنتقال من الفوضى إلى النظام، ويبين أهمية النظام بقوله " فكل شيء يقول: النظام... الانسجام... وكل شيء ينادي بالمعاني الرحيبة في روح الوجود. كل الأشياء: من همهمات البحر إلى خوف ضربات القفار الموحشة على أوتار أحاسيسنا، ومن السكون الوقور للتلال إلى شواهق ذرى الجبال، ومن دوي البحار الدائم إلى نعومة خمائل اللانهاية المرفرفة في أعماق السماء. فكيف طرأ اللانظام - الذي نسميه الفوضى- على الأرض، والنظام ينبجس في كل مكان وفي كل شيء؟ لقد عرفت الأرض الفوضى، ومن خلفها اللاأخلاقية، مع بني البشر الذين لم يسلموا طوع عقولهم لله، ولم يكبحوا جماح إراداتهم نحو الشر، ولم يغنوا فيض مشاعرهم نحو الخير. الإنسان مخلوقٌ، أنواعُ رغباتهِ مفتوحة، وثغراتُه واسعة لا تقارن بما في حي آخر. فمن المعلوم أن في كل ثغرة من ثغراته، كالحرص والحقد والكره والغضب والعنف والشهوة، بُعدٌ موجي مختلف القوة من نـزعات التخريب وميول العبث ودوامات الفوضى. ولا مفر من سقوطه في براثن نتائج غير مرضية ما لم يضبط ويُقيّد رغباته السيئة هذه بتربية حسنة، فيسمو بأحاسيسه الإنسانية، ويستجيب للعقد الاجتماعي الضمني المكنون في وجدانه بخواطر الرغبة والطلب، والفرح والحزن، والحق والحرية، مع احتساب وجود الآخرين." ويقول: " فمن الضرورة إذن أن نبدأ العمل بإعادة النظر في عناصر محاكمتنا الأساسية، وتمييز الخط الفكري المنطقي، وإيفاء حق الإرادة، وإعداد جيل عزوم بل أجيال. فلنقر أولاً بمراعاة الأسباب، لأننا نعيش في عالم محاط بها. نحن نعيش في عالم الأسباب. فإهمالها محض "جبرية"، وضلالة بالحاصل. وليست مراعاة الأسباب وحدها، بل العناية بالمناسبة بين السبب والنتيجة (قاعدة تناسب العلية) من أهم لوازم التكليف. فإن لم نعين أسس الأفكار المضرة والتيارات المفسدة، بمشاعر مسؤولية جادة لنقاومها منذ اليوم، فسوف نرى في المستقبل أبعاداً مختلفة للبؤس الأخلاقي والنكبة الاجتماعية والانحرافات الأخرى. وليس الحنيك من ينتبه إلى النكبة والبؤس بعد ما تظهر النتائج عيانا، بل من يجزم بما سيقع وبأي سبب وسياق من قبل الوقوع. ومن العسير الادعاء بأننا أبدينا فراسة كهذه في تاريخنا القريب. أما أن نـزعم بأننا أوفينا حق الإرادة فكلاّ! بل إنساننا في هذه المدة المدلهمة ظلمةً يشك حتى في إرادته الذاتية وفكره وعزمه... بل ما يفتأ يبحث عن إرادات سامية ومدهشة لتدير شؤونه. والأدهى والأمَرّ توهين الشخصية وأسر العزائم في أصحاب المشاعر النقية والوجدان الطاهر بإيحاءات من قبل المفكر فلان، والعالم علان والدولة الفلانية! ثم بمرور الزمان، صرنا نحكّم فلاناً وعلاناً في تفكيرنا وسلوكنا، فأصابونا بأنواع من دوار الرأس وازورار المحاكمة وانحراف الملاحظة وانـزلاق الشخصية. فأصيبت الأرواح المستسلمة تمام الاستسلام خاصة، بأعطاب رهيبة من المحال إصلاحها. وكان الأصل أن لا نؤمن أو نرضى بإرادةٍ ما حققنا فيها ولا محصّناها، ما عدا الإرادة الإلهية." والأستاذ فتح الله كولن رجل أمل لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً قط، فبينما هو يعاني كثيراً من النكبات والمصائب التي واجهها أهل الحق عصوراً ولاسيما في القرون الأخيرة، إذا به يحيي بأفكاره المستقاة من فيض القرآن الكريم القلوب الميتة، والأفكار الخاوية. وبهذا الخصوص يقول في فصل (أجيال الأمل 2) " فإن أسرع وأقصر وأسلم طريق يوصل الإنسان إلى الحقيقة هو طريق الإيمان المجهز بالعلم والعرفان. لقد كسب الروح دائماً أعظم النصر وأعجبه بهذا الطريق. فحيثما افتُقِد الإيمان غير المتغذي بغذاء العرفان، احتلت القوة العمياء محل الحقيقة والحقوق... ولا مفر في مثل هذه الأحوال من مواجهة عنف القوة... فيكثر اللجوء إلى السلاح، ويأمر المال فيطاع، ولا يُسمع إلا صوت المعربد، ويُرغّب إلى الرياء وتروج بضاعته. فمن المحال في هذه الأحوال الوصول إلى روح الوجود، والتطلع إلى ما وراء الوجود. والحال أن حقيقتنا موصولة اتصالاً وثيقاً بروح اللانهاية. ولاستشعار هذا الاتصال والإحساس بما تَعدِ به هذه العلائق، يجب علينا أن نبذل تضحيات كثيرة. وجلي للعيان أننا إن لم نتخلَّ عن السعادة الفردية والحظوظ الدنيوية والمقام والمنصب، بل حتى عن مشاعر فيوضاتنا المعنوية، فلا محل للكلام عن مثل هذه العلاقة، وهذا الاتصال. ومتى ما تحققت هذه العلاقة وهذا الاتصال، فستولد دنيا الغد التي يكون "الحق" فيها تاجاً فوق الرؤوس، وتلقى الحقيقة التوقير، ويُعدّ التفكير بالقوة وملاحقة المطامح عيباً وشيناً." وباختصار يعتبر الكتاب مصدراً لا يستغني عنه من يتعب فكره في الأفكار ويحدق نظره في الآفاق ويجوب بقلبه في عالم المعاني، لأنه تشخيص طبيب حاذق للعلة ووصفة شافية للأمراض التي نخرت جسم العالم الإسلامي على مدى عصور طويلة. |
| < السابق | التالى > |
|---|



