| الأمـانـة عند رسولنا صلى الله عليه و سلم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |||||||
| 2006.09.22 | |||||||
الصفحة 1 من 5
رسولنا صلى الله عليه و سلم أمين قبل كل شيء، أمين للرسالة التي بعثه الله تعالى بها، فلا يمكن تصور إخلاله لهذه الأمانة قيد شعرة، أمين مع جميع المخلوقات، فالكل يثق به ويطمئن إليه؛ لأنه أظهر للجميع مدى أمانته، فبعث الثقة وأرسى الأمن والاطمئنان إليه في نفوس الجميع. ثم علمنا مدى أهمية الأمانة ومدى ضرورتها وأقنعنا بهذا الأمر. فتعالوا بنا نستعرض سويا هذه الأمور: أ- الأمـانـة فـي تـبـلـيـغ الـرســالـة لقد اختار الله تعالى إنساناً أميناً لرسالته، وقد عاش هذا الرسول حياته كلها ضمن مشاعر هذه الأمانة، إلى درجة أنه كان عندما يتنزل عليه الوحي حريصاً على ألا تفوته كلمة واحدة من هذا الوحي ويخشى ذلك، فكان يكرر بسرعة ما سمعه من جبريل لكي يحفظه بشكل تام، وذلك قبل أن ينتهي جبريل من إلقاء الوحي عليه. وكان يبدي خشية وحرصاً وقلقاً في هذا الأمر إلى درجة أن القرآن الكريم نبّهه قائلاً: {لا تحرك به لسانك لتعجل به ` إن علينا جمعه وقرآنه ` فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ` ثم إن علينا بيانه} (القيامة: 16-19). لقد أُودع القرآنُ أمانة عنده، فكان يخشى ألا يكون أميناً لهذه الأمانة المقدسة خشية كبيرة. لذا، كان الله تعالى يطمئنه ويخبره بأنه أمين وسيبقى أميناً. لقد عاش رسول الله صلى الله عليه و سلم حياته كلها في خضم هذه العاطفة الملتهبة، فقد كان يدرك حق الإدراك مدى ثقل الأمانة المقدسة التي ألقيت على كاهله، ويجتهد بكل ما وسعه من إخلاص وتفان أن يكون أميناً لها. فها نحن نراه في حجة الوداع وقد أحس بدنو رحيله يقول لأصحابه وهو يتذكر هذه الأمانة الكبيرة أنهم سيُسألون غداً عنه، لذا فقد سألهم: «ألا هل بلّغتُ؟ ألا هل بلّغتُ؟» فقال الحاضرون: نعم. فقال: «اللهم اشهد.»[1] أجل، فإن حفظ الأمانة يبدأ من الله سبحانه و تعالى ماراً من عند جبريل عليه السلام ومستقراً عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم سارياً منه إلى أمته... وفي حجة الوداع طلب من أمته الشهادة مرة أخرى بأنه أبلغ الرسالة ثم رجع إلى الرفيق الأعلى بعد هذه الشهادة من أمته. وردت في كتب السنة المعتبرة رواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتعلق بأمانة الرسول صلى الله عليه و سلم في تبليغ الرسالة إذ قالت: "لو كان محمد صلى الله عليه و سلم كاتماً شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتُخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أن تخشاه} (الأحزاب: 37).[2] نزلت هذه الآية في حق زيد بن حارثة الذي أعتقه رسول الله صلى الله عليه و سلم وتبناه ورباه ثم زوجه من بنت عمته زينب بنت جحش التي قبلت الزواج منه طاعة لرسول اللهصلى الله عليه و سلم، وتنفيذا لأوامره، فلم تكن لديها الرغبة في هذه الزيجة؛ ولهذا لم يحدث الوفاق بينهما؛ فأمر الله رسوله بطلاقها من زيد وأن يتزوحها لتكون ضمن زوجاته الطاهرات، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث كانت العرب في تلك الأيام تنظر إلى الابن المتبنى نظرتهم إلى الابن الحقيقي، وتعد زوجة الابن بالتبني بمثابة زوجة الابن الحقيقي.كما كانت أم زينب -عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم - قد عرضتها عليه من قبل فأبى؛ ولكن ما كان على النبي صلى الله عليه و سلم إلا أن ينفذ ذلك الأمر لأنه صادر إليه من السماء، لذا قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "لو كان محمد صلى الله عليه و سلم كاتماً شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآية." ولكنه كان أميناً للوحي الذي كان ينزل عليه، فلم يكتم حرفاً واحداً منه. وهناك حادثة أخرى وقعت في معركة بدر تبين مدى أمانته، فقد تم أسر بعض كفار قريش فاستشار رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنه حول أمرهم. فكان رأى أبي بكر رضي الله عنه إطلاق سراحهم بعد أخذ الفدية منهم، أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان من رأيه أن يقتلوا جميعاً وأن يقوم كل واحد من المسلمين بقتل قريبه بيده. ومال رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رأى أبي بكر واطلق سراح الأسرى بعد أخذ الفدية منهم. ولندع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يروي هذه القصة بنفسه: ...فهوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك. فإن وجدتُ بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أبكي للذي عَرض عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء. لقد عُرض عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة -شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه و سلم- وأنزل الله عز و جل: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ` لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما أخذتم عذاب عظيم ` فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم} (الأنفال: 67-69). فأحلّ الله الغنيمة لهم.[3] فلو كان هناك أي احتمال لقيام رسول الله بكتمان شيء من الوحي لكتم هذه الآية. ولكنه كان إنساناً أميناً على الوحي. وسنقوم فيما بعد بتناول هاتين الآيتين بتفصيل أكثر عند تناول موضوع عصمة الرسول صلى الله عليه و سلم.
[1] البخاري، الحج، 132، المغازي، 77؛ مسلم، الحج، 147؛ أبو داود، المناسك، 56؛ ابن ماجة، المناسك، 76، 84 [2] البخاري، التوحيد، 22؛ مسلم، الإيمان، 288 [3] مسلم، الجهاد، 58؛ «المسند» للإمام أحمد 1/31-33
|
|||||||
| < السابق | التالى > |
|---|



