الـصـدق طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
بقلم: فتح الله كولن   
2006.09.22

الصدق هو محور النبوة، ومدار ارتكازها؛ فكل ما تلفّظه الأنبياء صدقٌ خالص، ولا يمكن أن يجافي الواقع أو الحقيقة. وعندما يشرح القرآن الكريم فضائل الأنبياء يشير إلى هذه الصفة عندهم:

{واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدّيقاً نبياًّ} (مريم: 41). أي اذكر في القرآن الذي هو مستنسخ للوح المحفوظ ومبين حقيقته الثابتة أو في اللوح المحفوظ بأن إبراهيم كان نبياًّ صفته الصدق التامّ في القول والسلوك.

{واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً} (مريم: 54). {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبياًّ ` ورفعناه مكاناً علياًّ} (مريم: 56-57).

ويوسف عليه السلام... نرى رفقاءه في السجن يخاطبونه فيقولون: {يوسف أيها الصديق} (يوسف: 46).

وكيف لا يكونون مجهَّزين بالصدق والله تعالى يخاطب عامة المؤمنين ويطلب منهم أن يكونوا صادقين:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة: 119). كما يبين أن المؤمنين المجاهدين في سبيل الله هم الصادقون فيقول: {إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات: 15).

الـصـادقـون أهـل للـثـنـاء

والقرآن يثني على الصادقين: {من المؤمنين رجال صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قَضَى نَحْبَه ومنهم مَنْ ينتظر وما بَدّلوا تبديلاً} (الأحزاب: 23).

ولنستروح في ظلال فنن هذه الآية قليلا ثم نتابع المسير:

كان أنس بن مالك خادما للرسول صلى الله عليه و سلم وذلك حينما أخذت أمه بيده وهو إذ ذاك في العاشرة من عمره إلى رسول الله ليخدمه قائلة: "يا رسول الله! خادمك أنس." وتركت ابنها وذهبت.([1]) يقول أنس بن مالك: "إن هذه الآية نزلت في عمي أنس بن النضر وأمثاله."

عندما رأى أنس بن النضر رسول الله في بيعة العَقَبة أحبّه وتعلّق به. ولكنه لم يستطع لأسباب عدّةٍ الاشتراكَ في معركة بدر. ولمعركة بدر مكانة خاصة ومتميزة، حتى الذين اشتركوا فيها لهم مكانة خاصة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم. بل إن من اشترك فيها من الملائكة لهم مكانة خاصة بين سائر الملائكة كما حدث بهذا جبريل عليه السلام الذي كان على رأس الملائكة يوم بدر.([2])

قال أنس رضي الله عنه عن عمه:

عمي الذي سُمّيتُ به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بدراً، قال: فشَقّ عليه. قال: أوّلُ مشهَدٍ شهده رسول الله صلى الله عليه و سلم غُيِّبتُ عنه، وإن أراني الله مشهداً فيما بعدُ مع رسول الله صلى الله عليه و سلم لَيراني الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرَها. قال: فشهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أُحد. قال: فاستقبل سعد بن معاذ. فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ فقال: واهاً لريح الجنة (والقائل هو أنس) أَجِده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل.([3])

وعندما نتداعى ذكريات معركة أُحد لا نستطيع أن ندفع الإحساس بهذه الغصة التي تنشب في حلوقنا... فهي المعركة التي استشهد فيها سبعون صحابياًّ. ومن يدري فقد يكون هذا هو السبب الذي قال من أجله النبي صلى الله عليه و سلم وهو يمر من أمام جبل أُحد: «أُحد جبل يحبنا ونحبه.»([4]) لكي لا نَحمِل أي ضغينة تجاهه.

أُحد جبل صعب المرتقى... ولكن معركة أُحد كانت أصعب... فقد ترك بعض الصحابة مواضعهم المستحكمة التي عيّنها لهم النبي صلى الله عليه و سلم مدة وجيزة... كان هذا مجرد تغيير استراتيجي، لذا لا يمكن إطلاق كلمة "الهزيمة" عليه... فتوقيرنا للصحابة وزاوية نظرتنا إليهم تستلزم هذا.

في هذه المعركة جُرح رسول الله صلى الله عليه و سلم وانكسرت سنه، ودخلت حلقتا المِغفر في وجهه الشريف فأدماه، ومع ذلك فلأنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولأنه أرسل رحمة للعالمين فإنه فتح ذراعيه مبتهلا إلى الله تعالى «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.»([5])

وفي هذه المعركة كان أنس بن النضر يصول ويجول هنا وهناك يحاول أن يبر بوعده الذي قطعه للرسول صلى الله عليه و سلم قبل عام. ولكن سرعان ما امتلأ جسده بضربات السيوف وطعنات الرماح فهوى إلى الأرض مضرجاً بدمائه... كان قد اقترب من النهاية، وعندما مرّ به سعد بن معاذ قال له وهو يبتسم بوهن: "واهاً لريح الجنة أجده دون أُحد."

في هذه المعركة صعب التعرف على كثير من الشهداء مثل حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش، وأنس بن النضر الذي ما تعرفت عليه أخته إلا من بنانه، فلعلها المكان الوحيد الذي لم تصبه الجروح.

والآن لنسمع بقية رواية أنس بن مالك رضي الله عنه عن عمه:

قال: فقاتلهم حتى قتل. قال: فوُجِد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية. قال: فقالت أخته عمتي الرُّبَيِّع بنت النضر: فما عرفتُ أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية {من المؤمنين رجال صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} (الأحزاب: 23). فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.([6])

كانت هذه الآية تشرح هذه الشهامة... لقد بَرّ بوعده الذي قطعه على نفسه من أنه سيقاتل حتى الموت... وقُتل، ولم يستطع الموتُ دفعَه لِنكث وعده.

نعم لقد صدق ما عاهد الله عليه. والآية الكريمة عندما تثني على مثل هؤلاء الشهداء تريد أن تقدمهم لنا كقدوة حسنة يجب أن يحتذِي بها كل من شهد أنه "لا إله إلا الله" لكي لا يضيع الدين ولا ينتكس الإيمان ولا تُمتهن شرائع الله.

لقد صدق أنس بن النضر وعده، وصدق الآخرون -من أشباه أنس- وعودهم، ذلك لأنهم تربوا في مدرسة الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم. فمثلما كان الحبيب صادقاً أميناً كان أصحابه وتلامذته صادقين أمناء.

الـصـدق عند رسولنا صلى الله عليه و سلم

أ- الأمـيـن قـبـل الرســالـة

ما كان أهل مكة يخاطبونه باسمه، بل كانوا يخاطبونه بصفته "الأمين..." أجل، فقد كان مشتهراً بهذا اللقب... وما أسعدنا ونحن نكرر صباحاً ومساء هذا الوِرْد: "لا إله إلا الله الملك الحق المبين، محمد رسول الله صادق الوعد الأمين."

لما قام أهل مكة بتعمير بيت الله وإصلاحه بعد أن تشقق بفعل السيول، برزت هنالك مشكلة كبيرة في موضوع إعادة الحجر الأسود -نحن ندعوه "الحجر الأسعد"- إلى موضعه السابق. إذ امتَشقت القبائل سيوفها، تبغي كل قبيلة أن يكون لها هذا الفخر وكادت أن تقوم بينهم فتنة عظيمة. ولكن أخمد أوارها اتفاقهم على أن يجعلوا أول من يدخل الكعبة حَكَماً بينهم. وتعلقت الأنظار بمدخل البيت ترتقب من يدخله، وما إن أطلّ محمد صلى الله عليه و سلم بوجهه المنير عليهم حتى صاحوا جذلين: "هذا الأمين... رضينا... هذا محمد!"([7]) ولم يكن رسول الله يعرف شيئاً أثناء دخوله إلى البيت الحرام.

ذلك لأن ثقتهم به كانت تامة. ومع أنه لم يكن قد بُعث بعدُ نبيا، إلا أنه كان محطَّ ثقة الجميع، إذ كان يحمل جميع صفات الأنبياء.

أجل، فالفضل ما شهدت به الأعداء. فها هو أبو سفيان ألد أعداء الرسول صلى الله عليه و سلم آنذاك يشهد بصدقه. ففي رواية لعبد الله بن عباس عن أبي سفيان أنه قال: إن هرقل أرسل إليه في رَكْب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مادّ فيها([8]) أبا سفيان وكفار قريش. فأتوه وهم بإيلِياء([9]) فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً. فقال: أدنوه مني وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذّبوه. فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه مِن ملِك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيه شيئاً غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعَفاف والصلة.([10])

فقال للترجمان: قل له: سألتُك عن نسبه فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب. فكذلك الرسل تُبعَث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقولٍ قيل قبله وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب مُلك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن لِيَذَر الكذب على الناس ويكذب على الله... الخ" ([11])

والنص طويل ونقتصر على هذا القدر. وأهم ما يلفت النظر هنا وجود دليلين على صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ أولهما هو هرقل إمبراطور الروم الذي قال ما أوردناه آنفاً، والثاني هو جواب أبي سفيان الذي كان يعترف بصدق رسول الله ويقبله مع أنه لم يكن قد أسلم بعد. ولكن هرقل أضاع فرصة ذهبية جاءت إليه، إذ أن حبه لملكه أضاع عليه الحصول على الملك الحقيقي الخالد فلم يسلم ولم يدخل في أمة الإسلام السعيدة. ولكن على الرغم من هذا فقد تصرّف باحترام أمام الرسالة التي بعثها إليه الرسول صلى الله عليه و سلم، إذ تصرف ببصيرة، وكان اعترافه بصدق النبي صلى الله عليه و سلم مدعاة لسرورنا.

والحقيقة أن ما قاله هرقل له معان ودلالات عميقة... أجل، فإن شخصاً لم ينطق بكذبة واحدة للناس العاديين -وإن كانت مزحة- حتى بلوغه سن الأربعين أيمكن أن يكذب على الله وقد اقترب من الكهولة، ومن الموت؟

سأل ياسر قبل إسلامه ابنه عمّاراً إلى أين تذهب؟ فأجابه: "إلى محمد صلى الله عليه و سلم"

كان هذا الجواب كافياً له: "إنه الأمين... هكذا يعرفه أهل مكة... إن كان قال إنه نبي فهو نبي، ذلك لأنه ما من أحد جرّب عليه الكذب." لم يكن هذا قول فرد واحد ولا اعتقاد شخص واحد أو بضعة أشخاص، بل اعتقاد كل من عرفه قبل بعثته وقبل نبوته.

ب- الـمـوصي بالـصدق دائـماً

وكما عاش صادقاً فقد أوصى أمته بالصدق على الدوام، وندرج هنا بعض هذه الوصايا تبركاً بها: «اِضْمَنُوا لي ستاًّ من أنفسكم أَضمن لكم الجنة: اُصدقوا إذا حَدّثتم، وأوْفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتُمنتم، واحفظوا فروجكم، وغُضّوا أبصاركم، وكُفّوا أيديكم.»([12])

لقد عاش النبي صلى الله عليه و سلم مستقيماً مثل شعاع ضوء، وأوصى بالاستقامة بعد أن حققها في نفسه إلى ذروة ما بين الإمكان والوجوب، إلى ذروة ليس وراء ها سوى الصدق الإلهي، أي إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجول في عالم الصدق في أفق {فكان قاب قوسين أو أدنى} (النجم: 9). فمن ناحية كان في دائرة "الإمكان" ومن ناحية أخرى كان قد تجاوز دائرة "الإمكان" وكما قال القاضي عياض في معرض المعراج "إنه وصل إلى موضع لم يدْرِ فيه أين يضع قدمه، فقيل له أن يضع إحدى قدميه فوق الأخرى." صحيح أنه كان بشراً من جميع النواحي. ولكن الصدق رفعه إلى مثل هذا المستوى. وهو يوصينا بالوصية نفسها "اِضْمَنُوا لي الصدق وعدم الكذب في حياتكم أضمن لكم الجنة."

ويقول في حديث آخر: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة.»([13]) ويقول أيضاً: «وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة.»([14]) أي اصدقوا وإن رأيتم أن الصدق سيجرّ عليكم الهلاك، لأنه سيؤدي بكم إلى النجاة في الحقيقة. ويقول أيضاً: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وما يزال الرجل يصدُق ويَتحرّى الصدقَ حتى يُكتب عند الله صدّيقاً. وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذِب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابا.»([15])

النجاة والخلاص في الصدق. فالإنسان عندما يموت بصدقه يموت مرة واحدة بينما يموت مرات بعدد كذبه. يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: "لقد نجوت بصدقي." وعندما نتكلم عن الصدق فلا يمكن ألاّ نذكره صلى الله عليه و سلم.

كان كعب بن مالك رضي الله عنه ذا لسان صادق وسيف قاطع.. كان شاعراً استطاع بشعره أن يُلقم الكفار حجراً في العَقَبة، لذا كان من أوائل الأنصار. ولكنه لم يشترك في غزوة تبوك التي كانت غزوة صعبة، تناوش فيها حفنة من المؤمنين مع الإمبراطورية البيزنطية في لهيب الصحراء اللافح... ذهبوا بهذه النية... وأبدوا تلك البسالة... كسبوا الثواب ولم يبق من الحرب سوى ذكرياتها.

قال كعب بن مالك رضي الله عنه في رواية أخرجها أحمد والبخاري ومسلم عن طريق الزهري:

"لم أتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتِب أحدا تَخلّف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة العَقَبَة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ في الناس منها كان من خبري: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، واللهِ ما اجتمعتْ عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه و سلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أُهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيّب إلا ظن أن سيَخفَى له، ما لم يَنزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون معه، فطفقتُ أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجعُ ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتدّ بالناس الجِدّ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتَفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأُدركهم، وليتني فعلت، فلم يُقدَّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عَذَرَ اللهُ من الضعفاء ولم يذْكرني رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلِمة: يا رسول الله حبسه بُرْداه ونظرُه في عِطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم.

قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همّي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه و سلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووَكَلَ سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المُغْضَب، ثم قال: «تعال.» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلا ولكني والله لقد علمتُ لئن حدّثتُك اليوم حديث كَذِب ترضى به عني لَيوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتُك حديث صِدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك.» فقمت، وثار رجال من بني سلِمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علِمناك كنتَ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بما اعتذر إليه المتخلِّفون، قد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه و سلم لك. فوالله ما زالوا يؤنِّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذّب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْريّ وهلال بن أمية الواقفيّ فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناسُ وتغيروا لنا حتى تَنكَّرتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بِرَدّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليّ، فسلمت عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أَنشدك بالله هل تعلمني أُحِب الله ورسوله؟ فسكَتَ، فعدتُ له فنشدتُه فسكتَ، فعدتُ له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.

قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غَسّان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوان ولا مَضْيَعَة فالْحَقْ بنا نُواسِكَ فقلت لمّا قرأتها وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور فسجَرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقرَبها وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الْحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقرَبْكِ.» قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفَى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشِرْ، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرَج، وآذن رسول الله صلى الله عليه و سلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبل صاحبيّ مبشّرون وركض إلي رجلٌ فَرَساً، وسعى ساع مِن أَسْلَمَ فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنُّوني بالتوبة يقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس حوله الناسُ، فقام إليّ طلحة بن عُبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أمسِكْ عليك بعض مالك فهو خير لك.» قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن مما أبلاني، ما تعمَّدتُ منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ` وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ` يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة: 117-119). فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم، أن لا أكون كذَبتُه فأَهلك كما هلك الذين كذَبوا فإن الله قال للذين كذَبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ` يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} (التوبة: 95-96). قال كعب: وكنا تُخُلِّفْنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا} (التوبة: 118). وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقَبِل منه.([16])

أجل، إن حقيقة النبوة قائمة على أساس من الصدق والاستقامة. فكل نبي صادق، ويجب أن يكون صادقاً، ذلك لأنه الشخص الذي يبلّغ الأوامر الآتية إليه من عالم الغيب إلى الناس فلو كان هناك احتمال لأيّ خطأ مهما كان قليلاً في مهمة التبليغ، لانقلبت الأمور رأساً على عقب، لأن جميع الحقائق التي نتعلمها باسم الإنسانية تنتقل إلينا عن طريقهم، وهذا موضوع حساس جداًّ لا يتحمل مثقال ذرة من الخطأ أو الوهم، لذا نرى الله تعالى يقول في هذا الأمر: {ولو تَقوَّل علينا بعض الأقاويل ` لأخذنا منه باليمين ` ثم لقطعنا منه الوتين([17]) ` فما منكم من أحد عنه حاجزين} (الحاقّة: 44-47).

لقد كان صلى الله عليه و سلم في موضوع أوامر الله ونواهيه مثل الميت في يد المغسل يستطيع أن يقلبه يمينا أو يساراً كيفما شاء. فوِجهته دائما هي الوجهة التي يوجهه إليها الله تعالى حتى بعد وصوله إلى ذروة القرب من الله تعالى. وما كان له أن يفقد شيئاً ولو هينا من حساسيته في هذا... بل لقد تعمقت فيه هذه الحساسية ونزلت إلى أعماق وأغوار قلبه.

لقد كان عند وعده دائما فلم يسمع عنه أحد حتى بلوغه سن الأربعين كذبة ولا جرّب عليه خلف وعد. يروي عبد الله بن أبي الحَمْساء. قال: بايعت النبي صلى الله عليه و سلم ببيع قبل أن يُبعث، وبقيتْ له بقية فوعدتُه أن آتيه بها في مكانه فنسيتُ. ثم ذكرت بعد ثلاث. فجئت فإذا هو في مكانه فقال: «يا فتى! لقد شققتَ عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك.»([18])

ج- أقـوالـه عـلامـة صـدقـه

لقد كان منذ مولده الصادقَ الأمين المختار، لذا أسرع الناس إلى الإيمان بكل ما قاله بعد نبوته، فكأن العالم كله يهتف به: "لقد صدقت يا رسول الله..." لا البشر فحسب... بل كل كائن يقول بلسان حاله وبلسان المعجزة هذا القول له ويبايعه.

ولأقف هنا لحظة لأستطرد ولأوضح موضوعاً مهماًّ فأقول: إن الآيات القرآنية وأقوال نبينا صلى الله عليه و سلم النورانية لهما مقام رفيع جداًّ لا يستطيع الفلاسفة بعقولهم ولا الأولياء بقلوبهم ولا الأصفياء بأرواحهم أن يفهموه حق الفهم ولا أن يبلغوا ذلك المستوى أو يسموا إليه، فالوصول متعذر بل مستحيل؛ وذلك من ناحية الدقة في التعبير عن العلاقات الموجودة بين ذات الله وصفاته وأسمائه الحسنى.

غير أن الأرواح السامية والواصلة رأت من تجاربها أنها كلما غذت السير نحو الأعالي كلما تبيّن لهم مدى صدق بيان القرآن وبيان الرسول صلى الله عليه و سلم ومدى مطابقتهما للحق وللحقيقة، ويصلون إلى هذا عن طريق الكشف والذوق.

أجل، فما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم حول الألوهية يتم التصديق عليه من قِبَل أهل الاختصاص ويُتّخذ أساساً وقاعدة، حتى أنه تناول مواضيع حساسة جداًّ حول مسائل الألوهية والحشر والنشر والقدر مع احتفاظه بالتوازن الدقيق بين هذه المواضيع بحيث أنه لو لم يبحث هذه المسائل ويشرحها لما استطاع أحد أن يقول كلمة واحدة حولها.

يروى عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه أنه قال: "صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الفجر وصعد المنبر فخطبَنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبَنا حتى حضرت العصر. ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأَخبَرَنا بما كان وبما هو كائن فأعلمُنا أحفظُنا."([19])

أجل، فقد فَتح أبواب الماضي وشَرح كلَّ الأنبياء حتى آدم عليه السلام، وشرح أوصافهم وشمائلهم؛ ثم حوّل بصرَه إلى المستقبل فشرح كل شيء حول المحشر والجنة والجحيم، وهو الذي لم يقرأ كتاباً ولم يدرس على أحد؛ فكيف تسنّى له معرفة كل هذا..؟ لا شك أن الله سبحانه و تعالى هو الذي علّمه ما لم يكن يعلمه من قبلُ من شؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وما كان هناك غير هذا السبيل لِمعرفة كل هذه الأمور، وهذا هو ما يَقبله ويصدّق به كل العقلاء حالياًّ وهو دليل آخر على صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم.

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتكلم عن الأنبياء ويصفهم ويصف ملامح وجوههم حتى كأنه رسام يرسم اللوحات. وكان أهل الكتاب في زمانه يصدقون كلامه ووصفه ولا يعترضون عليه ويقولون: "أجل، هذه هي أوصافهم كما جاءت في كتبنا."([20]) أوليس هذا دليلاً قاطعاً لصدق نبوة رجل يصف جميع الأنبياء والرسل السابقين وصفاً دقيقاً يوافق عليه أهل العلم آنذاك وأهل الاختصاص دون أن يقرأ كتاباً واحداً من الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما؟

إن هذا الموضوع الذي قدّمنا لمحة منه موضوع لا أستطيع إيفاء حقه، فهو خارج طاقتي وقدرتي... والحال نفسها واردة مع القرّاء، إذ ليس من السهل فهم وشرح هذا الموضوع بالشكل المطلوب، غير أننا استناداً إلى أقوال وشهادة مَن بلَغوا هذا المستوى من آلاف الأولياء والأصفياء الذين سلكوا طريق الولاية وصعدوا مراتب الولاية مرتبة مرتبة؛ والعلماء والفلاسفة الذين ملئوا رؤوسهم بالعلم وبالمعرفة نعلم أن أقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت في الذروة في كل أمر من الأمور، وهذا يشكل بعداً آخر حول صدقه واستقامته. فتصديق هؤلاء الأشخاص الممتازين والمتميزين يُرينا أنه صلى الله عليه و سلم لم يتحدث أبداً خلاف الحقيقة وخلاف الحق، ذلك لأن ما تَحدّث فيه لم يكن من عنده بل من الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ([21]) وهذا هو السبب في أنه أصبح سلطان الكلام للعصور بأجمعها.

وما نريد أن نقف عليه هنا هو بعض أقواله المتعلقة بالغيب والتي ظهر صدقها بعد مرور أربعة عشر قرناً، وهذا دليل آخر على صدقه وصدق نبوته. غير أننا نود قبل الدخول إلى هذا الموضوع إيضاح بعض المسائل حول معاني الغيب لإيقاننا بضرورة وفائدة هذه الشروح.

جاءت كلمة "الغيب" في القرآن الكريم في مواضع متعددة وبمعانٍ مختلفة {وعنده مفاتح الغيب لا يعلَمها إلا هو ويعلَم ما في البَرّ والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين} (الأنعام: 59). فالغيب هنا غيب موجود في مقام الألوهية لا يعلمه أحد سواه سبحانه و تعالى... غيب لا يعلمه حتى رسوله محمد صلى الله عليه و سلم.

ثم ألا يذكر الله سبحانه و تعالى لنبيه بأن عليه أن يقول: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتّبع إلا ما يوحى إليّ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (الأنعام: 50)، {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراًّ إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف: 188).

وفي سورة الجن نرى الآية: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ` إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلُك من بين يديه ومن خلفه رصداً ` ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً} (الجن: 26-28).

في ضوء هذه الآيات نستطيع أن نقدم التحليل الآتي: إن من يقول إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعلم الغيب علماً مطلقاً يميل إلى الإفراط والمبالغة. ومن يقول إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يعرف الغيب مطلقاً يميل إلى التفريط. فهو لم يكن يعرف الغيب، إلا أن الله تعالى كان يطلعه على الغيب. فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يشرح الأمور الأساسية للحوادث حتى يوم القيامة وكأنه جالس أمام شاشة تليفزيونية. وهذا هو ما نريد الوقوف عنده بكل عناية. فما قاله لم يكن من عنده بل مما أخبره الله تعال عن طريق الوحي. وبما أن الله تعالى هو مصدر هذا الغيب، لذا لم يكن الرسل وحدهم ولا رسولنا صلى الله عليه و سلم فقط من يعلم الغيب عن هذا الطريق، بل كان بعض الواصلين من الأولياء مطّلعين على قسم من الغيب عن طريق الكرامة إذ يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم» قال ابن وهب: تفسير "محدَّثون" مُلْهَمون.([22]) لذا، نرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقطع خطبته ويهتف: "يا سارية! الجبل.. الجبل.. الجبل!" يحذّر جيشَ المسلمين من الكمين المعدّ له من الأعداء.ويسمع قائد المسلمين نداء عمر فينجو بجيشه من كمين الأعداء.([23])

وهناك أولياء مثل محيي الدين بن عربي ومولانا جلال الدين الرومي والإمام الرباني ومشتاق أفندي ومئات غيرهم أخبروا عن الغيب ثم صدّقت الأيام كلامهم. وكلهم كانت قلوبهم مرتبطة برسولهم محمد صلى الله عليه و سلم، مستمدين إلهاماتهم من مشكاة نوره. فإذا كان هذا هو حال بعض طلابه ودرجة قربهم من النسائم الرحمانية واللطف والإلهام الإلهي، والاطّلاع على الغيب فكيف برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو الذي لو وُضع في كفة ووُضعت أمته في كفة لرجَحَها؟ وكيف يُستبعد اطّلاعه على الغيب كجزء من معجزاته؟ ([24])

هناك ما يقارب ثلاثمائة معجزة نبوية مذكورة في كتب الأحاديث المعتمدة، وقد تحقق القسم الأعظم من الأخبار الغيبية التي أخبرها النبي صلى الله عليه و سلم. ولسنا هنا في معرض استعراض هذه الأخبار، بل سنتناول أمثلة منها لكي تعطينا فكرة عن الموضوع.

وسنقسم هذه الأمثلة إلى مجموعات ثلاث:

الأولى: الأخبار الغيبية المتعلقة بعهده صلى الله عليه و سلم.

الثانية: الأخبار المتعلقة بالمستقبل القريب أو البعيد.

الثالثة: الحقائق التي أوضحها ببيانه السهل الممتنع والتي لم يعرف معناها إلا بعد تقدم العلوم.


([1]) مسلم، فضائل الصحابة، 141
([2]) البخاري، المغازي، 11؛ ابن ماجة، المقدمة، 11
([3]) مسلم، الإمارة، 148
([4]) البخاري، الزكاة، 54؛ مسلم، الحج، 503، الفضائل، 11
([5]) البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، الجهاد، 101، 105
([6]) مسلم، الإمارة، 148
([7]) «السيرة النبوية» لابن هشام 1/209؛ «المسند» للإمام أحمد 3/425
([8]) مادّ فيها: صالحهم على ترك القتال. (المترجم)
([9]) إيلِياء: بيت المقدس. (المترجم)
([10]) الصلة: الإحسان إلى الأقارب. (المترجم)
([11]) انظر: البخاري، بدء الوحي، 3، 6؛ مسلم، الجهاد، 74
([12]) «المسند» للإمام أحمد 5/323
([13]) الترمذي، القيامة، 60؛ «المسند» للإمام أحمد 1/200
([14]) «فيض القدير» للمناوي 3/232؛ «كنز العمال» للهندي 3/344
([15]) البخاري، الأدب، 69؛ مسلم، البر، 105؛ أبو داود، الأدب، 80
([16]) مسلم، التوية، 53؛ البخاري، المغازي، 79
([17]) الوتين: هو نياط القلب. (المترجم)
([18]) أبو داود، الأدب، 82
([19]) مسلم، الفتن، 25؛ «المسند» للإمام أحمد 5/341
([20]) مسلم، الإيمان، 271
([21]) انظر الآية: {وما ينطق عن الهوى ` إن هو إلا وحي يوحى} (النجم: 3-4).
([22]) البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، فضائل الصحابة، 23؛ الترمذي، المناقب، 17
([23]) «كنز العمال» للهندي 12/571
([24]) انظر: أبو داود، السنة، 8؛ «المسند» للإمام أحمد 2/76

 
التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri