أمـثـلـة من نظام تربيته وتعليمه صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
بقلم: فتح الله كولن   
2006.09.22

أ- مـوقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد

ينقل البخاري ومسلم الحادثة التالية عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مَهْ مَهْ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لا تُزرموه [1] دعوه.» فتركوه حتى بال. ثم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر. إنما هي لذكر الله عز و جل والصلاة وقراءة القرآن» فأمر الرسول صلى الله عليه و سلم رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه[2] عليه.[3]

أجل، لقد كان معظمهم في البداية في مثل هذا المستوى من البداوة والتخلف بحيث لا يرون بأساً من البول في المسجد... من هؤلاء البدو شكل وكون ذلك المجمتع المثالي العظيم.. ومن يدري كم من عظيم أتى من صلب هذا البدوي!

ب- الـقـيمة التي أعطاها للمرأة

انطوت الجاهلية في صفحات الماضي، ولم يعد أحد يذكرها إلا بابتسامة مرة أو بابتسامة هازئة.. أجل، فعندما كانوا يتذكرون عهد الجاهلية كانت المرارة ترتسم على الشفاه وعلى الوجوه. ففى يوم جاء أعرابي من البادية إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وتحدث مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان مما قاله:

يا رسول الله إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يوماً فاتبعتني، فمررت حتى أتيت بئراً من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرميت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه، يا أبتاه فبكى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى وكف[4] دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء رسول الله صلى الله عليه و سلم: أحزنت رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقال له: «كُفَّ،[5] فإنه يسأل عمّا أهمّه.» ثم قال له: «أعِدْ عليّ حديثَك» فأعاده، فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته ثم قال له: «إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف عملك.»[6]

أجل، كان هذا وضع الناس آنذاك.. لم تكن للمرأة حق الحياة، وقد ظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم من بين مثل هذه الجماعة فقام بإعطاء كل شيء حقه وأعطى للمرأة قيمة كبيرة.. هذه المرأة التي كانت مهانة ومحتقرة من جميع الأطراف حتى من قبل والدها؛ حتى إن النساء كن يخفين البنات عن آبائهن، ومع أن الإحصاء لم يكن معروفاً آنذاك فأنا أعتقد بأن 50% من النساء اللواتي عشن كن من النساء اللواتي أخفين عن أعين آبائهن. ولم يأنف عن عملية القتل والوأد هذا إلا بعض الرجال من ذوي الفطر السليمة مثل أبي بكر رضي الله عنه. وعدا هؤلاء فإن معظم الشباب الذين لم يتعرفوا على الإسلام كانوا من قتلة بناتهم.. في مثل هذا المجتمع ظهر النبي صلى الله عليه و سلم ورفع المرأة إلى المستوى اللائق بها.

تأملوا الحادثة التي روتها أمنا عائشة رضي الله عنها ونقلها النسائي وأحمد:

إن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة. قالت: أجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه و سلم. فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله. قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء من الأمر شيء؟ [7]

إذن، فالمرأة التي كانت تدفن حية، والمرأة التي كانت مهانة ومحتقرة سابقاً أصبح لها الحق في أن تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وتطالب بحقها بكل حرية وترغب في معرفة عما إذا كان لوالدها الحق في استعمال القوة في موضوع الشخص الذي سيتزوجها. ولو أن أحدهم قبل عدة سنوات ذكر بأن هذا سيحدث لما صدقه أحد ولظنوا أن بعقله خللاً.

ج- رجل الاسـتغـناء

يروي الإمام مسلم وابن ماجة وأبو داود عن عوف بن مالك رضي الله عنه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟ » فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟ » قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً والصلوات الخمس وتطيعوا (وأسرّ كلمة خفية) وأن لا تسألوا من الناس.» فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه.[8] وأسر الرسول صلى الله عليه و سلم جملته الأخيرة حتى لكأنه لا يريد أن يسمعه أحد، والظاهر أنه فعل هذا لكي لا يتسبب في إحراج أي صحابي من أصحابه فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم شخصاً حساساً جداًّ تجاه أصحابه.

ومرت السنوات وافتقر العديد من هؤلاء ولكنهم لم ينسوا عهدهم له لذا، نراهم يبدون اهتماماً كبيراً على ألا يسألوا أحداً شيئا، حتى أن سوط أحدهم ليسقط وهو على ظهر ناقته أو جواده فلا يسأل أحداً أن يناوله وينزل من دابته ليلتقط السوط بنفسه.. ويجوز لنا أن نتصور أن هؤلاء الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه و سلم مثل هذه البيعة لم يطلبوا ولو قدح ماء من أي شخص.

يروي الإمام البخاري في صحيحه والترمذي أن حَكيم بن حِزَام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال لي: «يا حكيم! إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» قال حكيم: فقلت: "يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا" فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً. ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه و سلم حتى توفي رحمه الله.[9]

د- مـقـطـع من الجاهلية

قام الرسول صلى الله عليه و سلم بمحاربة ومكافحة الآلاف من العادات الجاهلية حتى استطاع أن يحول ظلمة الجاهلية إلى نور الإسلام. ولإيضاح هذا الأمر ننقل كلام جعفر بن أبي طالب للنجاشي:

"أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف؛ فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلَع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء؛ ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات؛ وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. -فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئاً وحرّمنا علينا وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدَا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى؛ وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على ما سواك؛ ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلَم عندك أيها الملك."[10]

وهذا يشير كيف أن العالم كان في ظلام حالك قبل بعثة محمد صلى الله عليه و سلم، وكيف أن المجتمع الجاهلي كان يسبح في لجة من الفساد والفواحش.. فالزنا فيه حلال، والسرقة فيه شجاعة وبطولة.. يندر فيه من لم يدمن على الخمر... في هذا المجتمع الفاسد الوحشي استطاع الرسول صلى الله عليه و سلم أن يقتلع كل هذا الفساد من النفوس وأن يزينها بالأخلاق العالية وبالفضائل السامية، وبأرفع المزايا الإنسانية.. أي أنه حقق في الواقع العملي "المدينة الفاضلة" التي حلم بها أفلاطون (Platon) في جمهوريته وحلم بها "توماس مور (Thomas Moore)" وغيرهما في المفكرين.

علماً بأن إخراج جماعة من حياة الفساد والبدائية والتوحش وجعلها مرشدة للإنسانية إلى طريق المدنية والفضيلة ليس إلا إخراج هذه الجماعة من الظلمات إلى النور. وقد استطاع الرسول صلى الله عليه و سلم تحقيق هذه المعجزة فبرهن على أنه رجل الإعجاز.

ونحن الذين نعجز عن تبديل خصلة واحدة من الخصال التي تشربت بها نفوس من نعيش معهم عمراً نقف باحترام وخشوع أمام محمد صلى الله عليه و سلم ونشهد أنه رسول الله بحق وبصدق.

ولقد حاولت بنفسي ولم أستطع إقناع أقرب الناس إلي بنظام التربية المثلى التي وضعتها والتي استلهمتها طبعاً من رسولنا صلى الله عليه و سلم تمام الإقناع.. دعوت إلى الفضيلة حتى تعبت، ولكني لم أستطع تنبيه الناس لها. إذن، فما أعظم تلك المقدرة وما أكبر تلك القوة التي كان يملكها الرسول صلى الله عليه و سلم بحيث استطاع تحويل الناس من الحياة البدائية والمتوحشة إلى المدنية، ومن الدناءة إلى السمو بل جعل من رجال الجاهلية معلمين ومرشدين للأمم المتمدنة. وأنا أرى أن أناساً مثلي يعجزون عن إسماع كلامهم إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص في أسرته هم الذين يقدرون تمام التقدير ما قام به الرسول صلى الله عليه و سلم حيث نقل أمة بكاملها من وهدتها وسما بها وصب في روحها إلهام قلبه... بشرط واحد وهو أن لا يتعثر هؤلاء بموانع العناد والتعصب.

اتصل عهده وعهد أصحابه بشعوب إيران وبالشعوب التركية... كانت إيران تحت تأثير ثقافة أخرى، وكانت طوران والشعوب التركية تحت ثقافة أخرى مختلفة وكذلك الرومان، ولكن الرسالة التي أتى بها الرسول صلى الله عليه و سلم لاءمت كل هذه الشعوب وكأنها فصلت خصيصاً لكل منها... وهنا تكمن المعجزة... أجل، إنها لمعجزة كبرى أن يأخذ الكرة الأرضية بين يديه ويطبق رسالته في كل أرجائها، وهي من دلائل نبوته ورسالته، أي أنه رسول الله.. وهذا ما أردنا قوله على الدوام.

قد لا يستطيع الشخص أن يكتشف بدهائه ويعرف عصره، فمثلاً يجوز أن "الإسكندر" قد أدرك عصره بمقياس معين، وقد يكون "قيصر" قد اجتاز وتقدم على عصره، ويجوز أن نابوليون (Napoléon) أدرك عصره وفهمه... وهكذا. ولكن أن يفهم إنسان العصور التي ستأتي بعده والأمم والشعوب العديدة والمختلفة وأن تكون رسالته ملائمة لجميع هذه الشعوب وهذه الأمم ومقبولة من قبلها جميعاً أمر خاص برسولنا صلى الله عليه و سلم، ولا نملك إلا أن نقول إن هذه معجزة، فليست هناك كلمة غيرها يمكن أن تصف هذا النجاح.. لقد وجد "آلب آرسلان" الذي عاش بعد رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم بأربعة أو خمسة عصور أن رسالته مناسبة وملائمة لروحه ولقلبه فآمن بها من كل قلبه، كما تقبل رسالته فاتح وقائد عظيم مثل محمد الفاتح الذي يُعد من أشهر قواد التاريخ والذي فتح عهدا وأغلق عهد[11] تَقَبَّل رسالة النبي صلى الله عليه و سلم مثلما تقبلها سلفه، وسار خلفه أيضاً وعلى أثره وفي الخط نفسه مع أنهم كانوا من عظماء التاريخ ودهاته، ولكنهم لم يقصروا في التسليم والتصديق برسالة النبي صلى الله عليه و سلم.

ونحن الآن على أبواب القرن الحادي والعشرين، ومرور أربعة عشر قرناً لم يغير من هذا الأمر شيئا، إذ لم تزل الرسالة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم رسالة يانعة نضرة وغضة تخاطب أرواحنا وقلوبنا وعقولنا، ذلك لأنها آتية ممن يعلم سرنا ونجوانا، وإلا فإن من المستحيل على أي إنسان أن يضع نظاماً يصلح لكل العصور.. فهذا موضوع يفوق طاقة أي إنسان مهما كان ذلك الإنسان من الذكاء والعبقرية.

يمكن أن نجد تفاصيل النظام التربوي الذي أتى به الرسول صلى الله عليه و سلم في القرآن والسنة. ولو كان عمل الرسول صلى الله عليه و سلم مقتصراً على تبليغ القرآن الكريم للناس وإقناعهم به لكان ذلك عملاً رائعا، ومع أن القرآن ليس موضوعنا الآن إلا أنني اضطررت إلى الاستطراد في هذا الموضوع.

لقد ظهر سيد المرسلين في مجتمع أمي جاهل لا يعرف المدارس ولا يعرف القراءة والكتابة. وعندما ارتحل إلى الرفيق الأعلى لم يكن في الجماعة التي تركها خلفه من لا يعرف القراءة والكتابة بدءاً ممن بلغ الرشد حديثاً إلى الشيخ الكبير الذي ينتظر دخول القبر، وعندما ننظر إلى عهدنا الحالي بكل الإمكانيات المتوفرة فيه وبالرغم من كل الجهود -حتى الإكراه والضغط أحياناً- فإن قسماً كبيراً من المواطنين لا يعرفون القراءة والكتابة رغم مرور خمس وستين سنة على قبول تركيا للحروف اللاتينية. أما رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد استطاع في زمن قصير يبلغ نيفاً وعشرين عاماً أن يؤسس الإيمان في النفوس ثم المعرفة ثم علمهم القراءة والكتابة. وأنا أظن أنه عندما ارتحل من هذه الدنيا إلى دار الخلود لم يكن هناك من بين أصحابه من لا يعرف قراءة القرآن الكريم... ليس قراءة القرآن فحسب، بل إن مزارعي المدينة المنورة كانوا يتلون القرآن بقراءاته السبعة أو العشرة وهم يعملون في الحراثة. وكاتب هذه الأسطر لا يعرف وجوه هذه القراءات التي يطلق عليها اسم "علم الوجوه" والذين يعرفونها اليوم أشخاص قليلون.

صحيح أن الناس كانوا أذكياء آنذاك بالفطرة ويمتلكون ذاكرة قوية غير متعبة... غير أن هذا الأمر لا يمكن تفسيره بالذكاء وقوة الذاكرة، بل يمكن تفسيره بالنظام التعليمي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم والذي ربط قلوبهم بالقرآن بهذا الشكل المتين.

علماً بأن هؤلاء الناس كانوا قد فتحوا نوافذ قلوبهم لكل أنواع الشرور والآثام، فاستطاع الرسول صلى الله عليه و سلم بإجراءاته المدهشة والرائعة أن يستل منهم كل عاداتهم السيئة وأن يصوغهم صياغة جديدة رائعة. فمثلاً يقول القرآن الكريم: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} (الإسراء: 23). أثرت هذه الآية عليهم إلى درجة أن الذين كانوا يظلمون آباءهم وأمهاتهم أشد الظلم بل حتى يقتلونهم تغيروا فجأة فأصبح أحدهم يسأل الرسول صلى الله عليه و سلم عما إذا كان هناك عقاب عليه إن لم يقابل نظرة والده إليه بالابتسامة.

ويقول القرآن الكريم أيضاً: {ولا تقربوا مال اليتيم} (الأنعام: 152 والإسراء: 34). فأصبح معظم المسلمين تحت تأثير هذه الآية يراجعون الرسول صلى الله عليه و سلم ويسلمونه أموال الأيتام التي بحوزتهم. وإذا دققنا النظر نرى أن الآية لا تقول: "لا تأكلوا مال اليتيم" بل تقول: {ولا تقربوا مال اليتيم} لذا، فإن الصحابة رضي الله عنه بقلوبهم الحساسة كانوا يريدون التخلص من أموال اليتامى الموجودة في ذمتهم بعد أن أبدت الآية الكريمة كل هذه الحساسية في هذا الموضوع... فماذا دهى هؤلاء القوم الذين كانوا من قبل يأكلون أموال اليتامى ويضمون هذه الأموال إلى أموالهم دون أي تردد... ماذا دهاهم حتى تغيروا هذا التغير وتبدلوا كل هذا التبدل؟!

كان الزنا منتشراً بينهم ومباحا، ولم يكن هناك تقريباً من يستنكر هذا الإثم في ذلك المجتمع، فإذا بالقرآن الكريم يصرح بعد فترة من نزوله {ولا تقربوا الزنى} (الإسراء: 32). فإذا به يقطع دابر كل العلاقات الآثمة وغير المشروعة... أجل، فلم يحدث سوى حادثتين أو ثلاث حوادث زنا فقط في تلك الفترة.

كان النهب والسرقة من أمارات الشجاعة والبطولة آنذاك فلما نزلت الآية بأمر {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (المائدة: 38). تبدل كل شيء تبدلاً جذرياً. وأنا لا أعلم سوى وقوع حادثتين أو ثلاث حوادث فقط للسرقة طوال ذلك العهد.[12]

وقال القرآن الكريم لهؤلاء الذين كان القتل أهون شيء عليهم {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله} (الإسراء: 33 والأنعام: 151). فإذا به يقطع دابر جرائم القتل. ولم تحدث طوال ذلك العهد سوى جريمتين إحداهما قيام أحد اليهود بجريمة مقصودة،[13] والأخرى قيام أحد المسلمين بقتل أحد الأشخاص خطأ ودون تعمد.[14]

والآن تأملوا... في غضون ثلاث وعشرين سنة من العهد النبوي لا نشاهد سوى حادثة واحدة للزنا اعترف بها صاحبها وحادثة واحدة لقتل يهودي وحادثة واحدة قطعت فيها يد امرأة سارقة... هذه الحوادث المنفردة والنادرة تحدث في مجتمع كان الناس فيه قبل سنوات قليلة يأكلون الميتة ويشربون الدم وكأنهم أفراد من مصاصي الدماء... من هذا المجتمع أخرج النبي صلى الله عليه و سلم مجتمعاً كالماء الزلال... ومن هذا المجتمع الملوث والفاسد، ومن هذا الوسط العفن والآسن ربَّى النبي صلى الله عليه و سلم أشخاصاً أمثال أبي بكر وأبي هريرة وماعز والغامدية وغيرهم وغيرهم فأسس مجتمعاً نظيفاً ونورانياًّ... إن لم يكن هذا معجزة فما هي المعجزة إذن؟

ليس في إمكاني استعراض تفاصيل هذا الموضوع العريض والعميق بكل جوانبه، لذا فسأستعرض هنا -إن سمحتم- مبادئ بعض الخصال والأخلاق العالية وإيراد مثال أو مثالين حولها لمعرفة مدى عظمة إجراءات الرسول صلى الله عليه و سلم.

هـ- الـكـرم والإيـثار

لم يكن ذلك المجتمع يفكر في شيء عدا مصلحته ومنفعته، حتى في موضوع الكرم الذي أصبح عندهم وسيلة للتفاخر والشهرة وليس من أجل إغاثة الملهوف. أما الإيثار فلم يكن معروفاً بينهم. وكما غيرت رسالة النبي صلى الله عليه و سلم أموراً كثيرة في هذا المجتمع فقد غيرت هذه الناحية أيضا، فطاردت البخل وتبنت خصلة الكرم والإيثار وجعلهما -ككل شيئ- في سبيل الله ورجاء ابتغاء مرضاته فقط.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: إني مجهود[15] فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: «من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: فعلِّلِيهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأَطفئِي السراج وأريه أنّا نأكل. فإذا أهوى لياكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه و سلم فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة.» ونزلت آية: {ويُؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (الحشر: 9) في حق هذا الصحابي وإثر حادثة هذا الإيثار.[16]

وهكذا ربى النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه وأمته على خصلة الإيثار؛ فقد علمهم أن الإيمان يستوجب التسليم والتسليم يستوجب التوكل، والتوكل يستوجب سعادة الدنيا والآخرة... أجل، فإن كنت مؤمنا فيجب أن تسلم أمرك لله وتتوكل عليه وتثق به وتستند إليه، عند ذلك ستصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.

و- بـطـولة الخـنسـاء

أبكت الخَـنْساء الناس كلهم بأبيات رثائها لأخيها صخر... كان ذلك في الجاهلية إذ لم تكن قد عرفت الرسول صلى الله عليه و سلم بعد، ولا تعرفت على تعاليمه ولا سمعت شيئاً عن بيان القرآن الكريم ولا تفتحت نفسها وقلبها عليه. فلما عرفت القرآن وسمعت به وأشرب به قلبها تغيرت فجأة... تغيرت إلى درجة أن هذه المرأة التي قالت عشرات الأبيات في رثاء أخيها في الجاهلية تحملت بصبر خارق استشهاد أربعة من أولادها في معركة القادسية واحداً إثر واحد... كانت تحس بقلب الأم الملهمة باستشهاد كل ابن لها، وتتلوى في مكانها من الألم ولكنها كفكفت دموعها وقالت بعد أن استشهدوا كلهم: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته."[17]

هاكم نوعية التغيير ومدى هذا التغيير الذي أحدثه النبي صلى الله عليه و سلم... إنه كمن أخرج النور من الظلمات... وأكرر مرة أخرى وأسأل: إن لم يكن معجزةً تغيير الناس هذا التغيير المذهل في مدة قصيرة فما هي المعجزة؟

ز- الـراكـب الـمهاجر

بعد فتح مكة فر عكرمة، وبعد مشقة كبيرة استطاعت زوجته إقناعه بالرجوع... كان من ألد أعداء الرسول صلى الله عليه و سلم، ولكنه عندما رجع ودخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم قام إليه النبي صلى الله عليه و سلم ورحب به قائلاً له: «مرحباً بالراكب المهاجر.»[18] فتح هذا الترحيب قلبه فعاهد الرسول صلى الله عليه و سلم أن يجاهد في سبيل الله. وعندما كان ينتظر الاستشهاد في معركة اليرموك أخبروه باستشهاد ابنه الوحيد "عامر" ومن يدري فقد يكون عكرمة تمثل وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ليقول له: ألم أعاهدك على الجهاد؟ فهل وفى الراكب المهاجر بوعده؟

وكيف يمكن أن يكون ابن أبي جهل مهاجراً وهو الذي صرف حياته كلها في عداء الرسول صلى الله عليه و سلم ومحاولة قتله..؟[19] وهل يمكن أن يكون عنوان الشر مثالاً للخير..؟ أجل، هذا هو ماحدث فعلاً.

لقد كان في الجاهلية رجلاً غنياً وقويا، يسحق الضعفاء ويظلمهم، ولم يكن للضعفاء من يحميهم ولاسيما النساء إذ لم يكن لهن حتى حق الحياة، لقد كان الأطفال يُقتلون دون سبب.. نعم، كانت هناك بعض القوانين وبعض الأعراف ولكنها كانت تستعمل ضد الضعفاء.. ولا تزال تستعمل هكذا حتى يومنا هذا. من هذا المجتمع البدائي والمتوحش والذي ضاع فيه الحق والعدل استطاع الرسول صلى الله عليه و سلم أن يربي جيلاً يمثل أرقى مستويات العدل.

ح- الـوقـّاف عند الحق

عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الخليفة العظيم الذي كان على رأس دولة تمتد من اليمن حتى نهر "أمودَريا" قرب مدينة بخارى. هذا الخليفة حدث بينه وبين أُبيّ بن كعب خلاف فقال له عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحَكَم. فلما دخلا عليه وسّع له زيد عن صدر فراشه فقال: ها هنا يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: هذا أول جَوْرٍ جُرْتَ في حكمك. ولكن أجلسُ مع خصمي.[20]

ط- حـادثـة ماعز ونظام المراقبة الوجدانية

إليكم مقطعاً من حادثة ماعز، وهي حادثة مراقبة وجدانية مدهشة.

جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله طهرني. فقال: «ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد. ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه» قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال النبي صلى الله عليه و سلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: «فيم أطهرك؟» فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أبه جنون؟» فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: «أشَرب خمراً؟» فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أزَنيت؟» فقال: نعم. فأمر به فرجم. وفي رواية أنه عندما مسته الحجارة جال وجزع فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم فقال: «فهلاَّ تركتموه.»

قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم جلوس فسلم ثم جلس. فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم.»

قال: ثم جاءته امرأة من غامد[21] من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني. فقال: «ويحك، اِرْجِعِي فاستغفري الله وتوبي إليه.» فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: «وما ذلك؟» قالت إنها حبلى من الزنى. فقال «آنت؟» قالت: نعم. فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك» قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: «إذن، لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه» فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه[22] يا نبي الله. قال فرجمها.

وعند رجمها طفر من دمها على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه و سلم سبه إياها فقال: «مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس[23] لغفر له» ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.[24]

لماذا كانت هذه التوبة بمثل هذه المرتبة؟ ذلك لأن هناك إثماً ارتكب خفية ولم يعلم به أحد، ولكنها لم ترغب أن يبقى حسابها ديْناً على رقبتها تؤديه يوم الحساب، بل اعترفت بذنبها وهي تعرف عواقب هذا الاعتراف، إذ ظلت حتى يوم إقامة الحد عليها في خجل من الذنب الذي اقترفته في حق الله وحق المجتمع، وفي عذاب ضمير محرق... أجل، لقد زلت قدمها، ولكنها بحثت في الدِّين عن سبيل لخلاصها.

ليس في الإمكان ذكر كل النظم الأخلاقية التي جاء بها النبي صلى الله عليه و سلم، إذ يبلغ عددها المئات، ولم يتيسر لنا سوى الإشارة إلى البعض منها. ولو كان في مقدورنا تعداد كل هذه القواعد الخلقية لكان من الممكن التوصل إلى معرفة أفضل لما أنجزه النبي صلى الله عليه و سلم من أمور تفوق القدرة الإنسانية، ذلك لأن إنسان ذلك العهد كان متصفاً بجميع أضداد هذه القواعد الخلقية، فقام النبي صلى الله عليه و سلم باقتلاع هذه المفاسد الخلقية من جهة وتنمية كل الأصول الأخلاقية الحميدة في نفوسهم من جهة ثانية وتجهيزهم بها.

لقد أظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم معجزة في ميدان التربية أيضاً. إذ وضع أسساً ومبادئ رئيسة لبعض القواعد التربوية للإنسانية التي لها صفة العمق والشمول وتحتضن الإنسانية كلها في كل عصر وفي كل وقت. وحسب قناعتي الشخصية المتواضعة فإننا إن استطعنا فهم ما تحتويه هذه المبادئ من أفكار عميقة ووصلنا إلى معرفتها بحق لكسبنا مستوى تغبطنا عليه الملائكة، ولكن ما العمل فنحن لا نزال -كما تقول حميدة قطب- في الطريق، حيث يروى أن موسى عليه السلام أظهر لله تعال حيرته وعجبه قائلاً له: "يا رب! إنني أرى كثيراً من الناس يمشون في طريقك بعد أن اهتدوا إليك، ولكنهم -ويا للعجب- يغيرون طريقهم ويتوجهون إلى جهات أخرى" فيقول له الله تعالى: "يا موسى! إن هؤلاء لم يتوجهوا نحوي ولم يجدوني... كانوا أناساً في الطريق وغيروا طرقهم."

(نسأل الله تعالى ألا يجعلنا من الذين يتعثرون في الطريق ويضلون سبيلهم).

...أجل، ليس هناك من ضمان، ولا يستطيع أحد أن يضمن عدم انحرافه عند سيره في الطريق إلى الله. كل شيء بيد الله تعالى، لذا نسأله أن يحفظنا من الانحراف ومن الضلال، وألا يدعنا لأنفسنا طرفة عين، وندعوه تعالى أن تتبوأ هذه الأمة المجيدة -التي قل نظيرها في التاريخ- المكانة اللائقة بها بين الأمم.

أجل، عندما تأخذ هذه الأمة مكانها التاريخي اللائق بها فستتوفر أمامنا فرصة أفضل وأكثر إقناعاً وأعلى مستوى لتبليغ الخلق الإسلامي والخلق القرآني. عند ذلك سترى الإنسانية أن ما بحثت عنه في "المدن الفاضلة" كان قد طبق وعيش قبل عصور، وستذهل من هذا الاكتشاف. ونحن نقرأ الآن "جمهورية أفلاطون" ونرى كيف يقترح أفلاطون قيام الفلاسفة بإدارة الدولة... دعوا هذا واعلموا أن هناك عهداً تمت فيه إدارة الدولة بشكل لا يصل إليه حتى خيال الفلاسفة... هاكم عهد بداية الإسلام، وهاكم عهد الدولة العثمانية. فلو شكلت الملائكة دولة في السماء لما استطاعت إلا أن تصل إلى ذلك المستوى.

ولكن إلى أن نقوم بشرح الإسلام بهذا المستوى فستسد الأمم آذانها ولن تستمع إلينا... صحيح قد يسلم أفراد معدودون منها نتيجة تسلل نور القرآن إلى قلوبهم بقوته الذاتية. ولكن لن يحدث إقبال جماعي على الإسلام من قبل هذه الأمم إلا عندما تتبوأ أمتنا الأصيلة هذه مكانتها اللائقة بها بين الأمم وتقوم بتمثيل الإسلام أمام العالم.

ونعود إلى الموضوع الأصلي فنقول إن الرسول صلى الله عليه و سلم أحدث انقلابا يحير العقول في ذلك المجتمع الجاهلي الغارق حتى أذقانه في العادات الجاهلية. وهذا الانقلاب كان انقلابا شاملاً يحتضن كل شؤون الحياة.

لقد ظهر العديد من العباقرة في التاريخ الإنساني، ونجح قسم منهم في إحداث بعض التغيير في بعض ساحات الحياة والمجتمع. فمثلاً قد يظهر عبقري في علم الاجتماع فيصل بأتباعه إلى مستوى رفيع في هذا الموضوع، ولكنه لا يستطيع شيئاً في ساحة الاقتصاد مثلا، كما يعجز أن يقدم شيئاً في ساحة التربية وعلم النفس، ويفشل تماماً في ساحة الروح ولا يستطيع تقديم أي شيء في هذا الأمر. ومثلاً قد يظهر عبقري في علم الاقتصاد وينجح في رفع المستوى الاقتصادي للبلد إلى مستوى معين، ولكنه لا يستطيع تقديم أي شيء لبلده من النواحي الاجتماعية الأخرى، ويعجز عن تقديم شيء حول التربية وحول مراقبة النفس ومحاسبتها مثلاً. ويظهر غيره في ساحة أخرى وآخر في ميدان مختلف، ولكن لا يستطيع أحد منهم أن يتوصل إلى الكمال بجميع وحداته ومفرداته... ليس هناك من استطاع هذا سوى محمد صلى الله عليه و سلم الذي احتضن الحياة كلها وبكل مفرداتها وجوانبها ونقلها إلى الذروة وضمن بقاءها هناك إلى الأبد... أجل، هو ذروة في الاقتصاد... وذروة في الاجتماع... وذروة في القيادة والحرب... وذروة في محاسبة النفس... وذروة في النجاح في دعوة الناس... وذروة في إقامة التوازن بين الدنيا والآخرة... وذروة في النفوذ إلى بواطن الأمور وإلى النفوذ إلى ما وراء الوجود... ذروة في كل شيء. أجل، فليست هناك حاسة إنسانية ضامرة في نظام تربيته، وليس هناك أي شيء تعرض عنده للإهمال... على العكس من ذلك فقد تناول كل شيء ووسع كل شيء ونماه وفتح أمام الإنسان طرق الرقي والكمال، وبمعونة الله وفضله استطاع أن يربي في كل ساحة وفي كل ميدان أفضل النماذج الإنسانية.



[1] لا تُزرموه: معناه لا تقطعوا. والإزرام القطع. (المترجم)
[2] فشنه: أي فصبه. (المترجم)
[3] البخاري، الوضوء، 56-58؛ مسلم، الطهارة، 98-100
[4] وكف: تقاطر. (المترجم)
[5] كف: أي أمسك عن تأنيبه ولومه. (المترجم)
[6] الدارمي، المقدمة، 1
[7] النسائي، النكاح، 36؛ «المسند» للإمام أحمد 6/136
[8] مسلم، الزكاة، 108؛ أبو داود، الزكاة، 27؛ ابن ماجة، الجهاد، 41
[9] البخاري، الزكاة، 50، الوصايا، 9؛ الترمذي، القيامة، 29
[10] «السيرة النبوية» لابن هشام 1/359-360؛ «المسند» للإمام أحمد 1/201-202
[11] ذلك لان سنة فتح اسطنبول (وهي سنة 1403 م) تعج نهاية القرون الوسطى المظلمة في أوروبا وبدء عهد النهضة فيها. (المترجم)
[12] البخاري، الحدود، 13؛ مسلم، الحدود، 10
[13] البخاري، الديات، 5؛ مسلم، القسامة، 15، 16
[14] البخاري، الديات، 10
[15] أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع. (المترجم)
[16] البخاري، تفسير سورة (59) 6؛ مسلم، الأشربة، 172، 173
[17] «أسد الغابة» لابن الأثير 7/89-90؛ «الإصابة» لابن حجر 4/287-288
[18] الترمذي، الاستئذان، 34؛ «المستدرك» للحاكم 3/241-242؛ «الإصابة» لابن حجر 2/496؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/385
[19] انظر: «كنز العمال» للهندي 13/541؛ «السنن الكبرى» للبيهقي 9/44
[20] «كنز العمال» للهندي 5/808
[21] بطن من جهينة. (المترجم)
[22] إنما قاله بعد الفطام وأراد بالرضاعة كفايته وتربيته وسماه رضاعاً مجازاً. (المترجم)
[23] صاحب مكس: أي صاحب جباية وقد أصبحوا عنواناً للظلم.(المترجم)
[24] مسلم، الحدود، 22، 23؛ أبو داود، الحدود، 24؛ الدارمي، الحدود، 17
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri