نبينا والمعارك التي خاضها طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 6
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
تحت هذه الظروف التي رعتها السماء تم الإقبال على بدر، لقد جاء الوقت المناسب لإنزال الضربة النهائية على رؤوس الذين يعرقلون ويمنعون الدعوة المخلصة الصافية إلى الله تعالى وإلى إعلاء كلمة الله، ولكي يقال لأعداء الله: لن تستطيعوا بعد الآن منع ذكر اسم الله تعالى في أرجاء الأرض ولن تستطيعوا إدامة الضغوط على النفوس المنفتحة على دعوته. أجل، فدعوة الله يجب ألا تبقى منحصرة في مكان محدد، بل يجب أن تدخل إلى النفوس جميعها لتطمئن بها جميع القلوب، ويجب أن تزال جميع العقبات من أمام إعلاء كلمة الله لكي لا تبقى هذه الكلمة في نطاق الأسر، بل لتنتشر في آفاق الإنسانية كلها، وتكون لها مبدأً. ولكي يقوم الرسول صلى الله عليه و سلم بإنزال الضربة الاخيرة على مشركي مكة الذين لم يعترفوا له بحق الحياة الكريمة في مكة، فكان عليه أن يفتح الطرق المؤدية إلى حرية الفكر ويحطم كل ما يعوق أو يمنع هذه الحرية.

ثم إن المسلمين كانوا قد فقدوا جميع أموالهم التي اكتسبوها حتى ذلك الحين. لأن الرسول صلى الله عليه و سلم والمهاجرين عندما هاجروا من مكة لم يستطيعوا أن يأخذو معهم إلا الشيء القليل، وتركوا كل أموالهم وأملاكهم في مكة المكرمة، وكان أهل مكة يحملون هذه الأموال على الجمال ويذهبون بها أمام أنظار المسلمين لبيعها في الشام أو اليمن. كانت الأموال المحملة على القافلة المارة بالقرب من المدينة أموال المسلمين وكان يجب استردادها.

ثم كان من الواجب معاقبة بعض الأشخاص الذين كانوا يطاردون المسلمين، ويهددونهم ويضيقون الخناق عليهم ويعذبونهم، كان بعضهم يقتلون المسلمين بحرابهم التي يصوبونها ليخترقوا صدور المسلمين ويطردونهم من أوطانهم ومساكنهم. كان من الضروري معاقبة هؤلاء وإيقافهم عند حدهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم. كان عليه أن يسدد إليهم ضربة أخيرة لكي يقول لهم: إن القوة ليست بأيديهم بل في يد الحق، وإن الله تعالى سيهب القوة لمن سلك طريق الحق، وستكون القوة كلها في يد الحق إن لم يكن اليوم فغداً، وسيأتي يوم تكون الكلمة فيه للحق، حيث سيسود الحق في القلوب والأفئدة، وسيتم إظهار الاحترام للإنسان وللحقيقة السامية التي أتت بواسطة الإنسان.. كان هذا ما يقاتل من أجله الرسول صلى الله عليه و سلم.

وكان هناك أناس من بعض الأقوام والقبائل لفتهم الحيرة، فبقوا في الوسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وكان قسم منهم يرغب في الدخول إلى الإسلام، إلا أنهم كانو يخشون ظلم قريش واضطهادها، فبقوا محتارين ومترددين، يرفعون أرجلهم ولكنهم لا يستطيعون الخطو إلى الأمام.

ولكن بعد أن رأى هؤلاء أن القوة أصبحت بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأن توازن القوى تغير لصالح المدينة اطمأنوا واستطاعوا أن يخطوا تلك الخطوة وهم مطمئنون، فكأن الرسول صلى الله عليه و سلم يقول لهم: "لا تخافوا ولا تحزنوا، سيجعل الله تعالى لكم فرجاً ومخرجاً إن كنتم مؤمنين، وسيفتح لكم الأبواب والشبابيك على مصاريعها، لكي تصلوا إلى السعادة وإلى الأمن والاطمئنان" هكذا كان الرسول يخاطبهم، ولكن المترددين لم يتأكدوا من هذا إلا في نهاية معركة بدر الكبرى، إذ رأوا كيف أن ميزان القوة قد تغير مكانه، وأن كفار مكة لم يعد في إمكانهم أن يمدوا لهم يد الأذى، فتوجهوا إلى المدينة، إلى مركز المدينة وإلى الرجل العظيم فيها محمد صلى الله عليه و سلم، وإلى حقيقة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

1- القوى في بدر

جاء في كتب السيرة والمغازي أن الرسول صلى الله عليه و سلم ذهب إلى بدر مع 305 من أتباعه، وبعض الكتب يرتفع بهذا العدد إلى 313 من المقاتلين،[1] ويقول بعضهم إن هذا العدد هو عدد الجنود الذين قاتلوا مع النبي داود عليه ااسلام ضد جالوت. أجل، كانت عمليات تحويل قدر الإنسان وتاريخه يتم في هذين العهدين، فجيش النور كان يقاتل جيش الظلام، وكانت قمتا وذروتا آل إسحاق وآل إسماعيل تُمثلان حقيقة الحنيفية الموحدة، وكان العدد في كلا الجيشين هو 313.

أجل، فكما قال محيي الدين بن عربي في "فصوص الحِكَم"، فقد كان على رأس أحد الجيشين النبي داود عليه ااسلام الممثل للخلافة، وعلى رأس الثاني ممثل الشفاعة العظمى وممثل مقام الفردية، الفرد الفريد محمد صلى الله عليه و سلم.

كان في جيش بدر فارسان و30-40 بعيراً، وفي مقابل هذه الإمكانيات القليلة التي كان يملكها المسلمون، ومقابل الجوادين الذين كانوا يملكونهما، نرى أن المشركين يملكون 200 من الخيول، أي أن مقابل كل فرس للمسلمين كان هناك 100 فرس، أي مقابل كل فارس كان هناك مائة من الفرسان، ومقابل 310 من المحاربين المسلمين كان لدى المشركين ما يقارب الألف من المحاربين أي أن كل مسلم كان يقاتل 3-4 من المشركين. وكانت قريش قد أتت بجيش مجهز بكل ما عرف من قبلهم حتى ذلك الحين من التجهيز للقتال، أي بجيش مجهز بكل أدوات وأسلحة الجيش المعروفة آنذاك، بينما جاء جيش الرسول صلى الله عليه و سلم وهم يتعاقبون الركوب على عدد قليل من الجمال ليقطعوا مسافة 200 كم. من المفيد معرفة هذه المعلومات، معرفة تلك الظروف من صحراء وحر وصيف، وكون الجيش صائماً، لأن الشهر كان شهر رمضان، وكان عليهم قطع مسافة 200 كم في ذلك الحر الشديد، ثم أتدرون ما الصحراء؟ وأين بدر؟ بعض الذين ذهبوا إلى الحج يعرفون ذلك بعض المعرفة، توجد على الطرق هناك الآن محطات بنزين، فإذا تخيلت خلو هذه المنطقة، هذه الطرق من هذه المحطات ومن بعض الواحات الصغيرة -وهي حديثة- فلا يبقى أمامك سوى الرمال الممتدة على مد البصر في كل اتجاه، وستسمع أصوات العواصف الرملية وهي تهب من هنا وهناك وتهددك.

والشيء الآخر من الموضوع هو أن المسلمين خرجوا لتهديد قافلة قريش، ولكن إرادة الله كانت متوجهة لأمر آخر، إذ ساق المسلمين إلى ملاقاة جيش قريش. يقول الله تعالى في سورة الأنفال: {وإذ يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وَتَوَدُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يُحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ` لِيُحِقَّ الحقَّ ويُبطل الباطلَ ولو كره المجرمون} (الأنفال: 7-8).

2- المواجهة

ولأن الله تعالى كان يريد هذا فإنه ساق المسلمين -رغم أن نيتهم كانت شيئا آخر- لكي يلاقوا جيش المشركين وليس قافلتهم. كان المسلمون يرغبون في تعقب القافلة ثم الايقاع بها، واسترداد أموالهم منها، بينما كان الله تعالى يفتح أبواب عهد جديد، ينغلق فيه عهد ظلمهم ونهب أموالهم. أجل، كان على المسلمين أن يوقعوا ضربة قاضية على المشركين، تجعلهم يترنحون تحتها ولا يثوبون إلى رشدهم. لقد انفتح عهد "الحق يعلو ولا يعلى عليه" فالحق يجب أن يغلب ويعلو ولا يعلو عليه شيء. كانت هذه هي مشيئة الله: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن." {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} (التكوير: 29).

لذا، فلا يهم مشيئة أي إنسان آخر، كانت مشيئة الله هي التوجه إلى بدر، وكان رسوله يحدس هذا، وكانت السماء تتطلع بنظرها إلى ذلك اليوم المبارك من شهر رمضان المبارك الذي كان يقترب شيئاً فشيئاً من ليلة القدر. وعندما وصلوا إلى هناك أُمطِرَ المسلمون مطر السكينة، وكان هذا يحمل لهم معنى خاصاً، فقد أطفأ به الغبار وتلبدت به الأرض، وامتلأت الآبار بالمياه، وكأن الملائكة نزلت مع قطرات ماء المطر. والحقيقة أن الملائكة نزلت واتخذت هيئة المسلمين وشارتهم لكي يتشبهوا بهم، وكان شعار المسلمين في ذلك اليوم هو "أحد، أحد!"[2] سيهتف الجميع "الله أحد" وسيزأرون بهذه الكلمة. كانت عباءاتهم بيضاء وكأنها الأكفان، لأنهم عندما خرجوا لم يكونوا يعرفون متى وأين سيقابلون أعداءهم، لذا كانوا مستعدين للموت ولاستقبال الحوريات لهم، لذا لبسوا عباءات بيضاء مثل ملابس الحجاج على عرفة، كان منظرهم شيئا يستحق النظر حقاً.

كان هناك من غمره الألم لعدم استطاعته المشاركة في هذا السفر المبارك، من بينهم أنس بن النضر الذي لم يكن يفكر بمفارقة الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم حتى في منامه. فاته الاشتراك في هذه المعركة فتقلب على آلام هذا الفراق وعدم المشاركة عاماً كاملاً. وإذا أحببتم قمت بالدعاء لكم أن يرزقكم الله مثل هذا الألم.. الدعاء بقطع العلاقة مع ما سوى الله تعالى لأقول: "اللهم اشغل قلوبهم وعقولهم بهذا الألم، واطرد النوم من أعينهم." أجل، إن العيش في آلام هذه الأمة المنكوبة البائسة، والتفكر في أحوالها، والتألم لآلامها، دعاء عظيم وتضرع كبير قد يفوق أجره أجر ألف ركعة من الصلاة حتى في مكة المكرمة، وأفضل من الطواف حول الكعبة. أجل، قد لا تكون فتحت كفيك وتضرعت إلى الله تعالى قائلاً: "يا رب!" ولكنك أرقت وتقلبت في الفراش حتى الصباح، وحرمت عيناك النوم وأنت تفكر في أحوال الأمة الإسلامية: "آه يا إخواني في تُرْكِسْتان... آه يا إخوتي في أفغانستان... من يدري أي يد امتدت إلى حجاب أختٍ من أخواتي هناك؟ من يدري أي أخت أو أم من أخواتي أو أمهاتي يتعرضن الآن للاعتداء عليهن؟ إخواني في "جمعة بالا" وفي "كملوجه" وفي "صوفيا (Sofia)" وفي "اسكج"، وإخواني في "قواله"[3] المدينة التي زينها السلاطين العظماء بالجوامع التي لم يعد لها أي أثر، وإخواني في فلسطين وكشمير وفي أماكن أخرى عديدة."

أجل، إن تجرع مثل هذه الآلام يعد دعاءً عظيماً وكبيراً، وعند التوجه إلى الله يقول أهل السماء: "آمين"، وهي لحظة يصل فيها المؤمن بآلامه هذه إلى مرتبة سامية، وتتزين هذه المرتبة أكثر إن صحبتها الأدعية.. تلك اللحظة التي يحس فيها المؤمن بصداع في رأسه، ويضع يده على خاصرته وهو يتلوى من الألم، لأنه يكون آنذاك مع إخوانه الذين يقلق من أجلهم، ومع إخوانه الذين يفكرون مثله، ثم إننا موجودون لهذا الغرض، فإذا كنا لا نستطيع عمل شيء، فبطن الأرض خير لنا من ظهرها. فإذا تم الاعتداء على إخواننا وعلى أمتنا دون أن يكون في يدنا عمل أي شيء لرفع هذا الذل، فبطن الأرض خير لنا من ظهرها.

ذهب الصحابة بمثل هذا الفهم إلى بدر بكل شوق، ذلك لأن الجنة كانت أمامهم وتنتظرهم. وكانت هناك حياة أبدية، والأهم كان هناك رضا الله تعالى، وكانت الملائكة فرحة في ذلك اليوم بالمسلمين الذين كانوا يهتفون: "أحد، أحد!" وتتنزل من السماء طوابير طوابير، وكأنها تريد تهنئة نصر بدر قبل وقوعه وتحتفل بهذا النصر. كان هناك من يستطيع أن يراهم وعلى رؤوسهم عمامات بيضاء وعليهم عباءات بيضاء، لماذا؟ لأن الصحابة كان عليهم عندما قدموا إلى بدر عباءات بيضاء، وكان الشعار الذي يرددونه على ألسنتهم هو: "أحد، أحد!" أجل، كانت الملائكة تُستقبل بهذه الكلمات بينما كان مشركو مكة وشيوخ الكفر فيها آتين وعليهم ملابس سوداء مثل قلوبهم.

من بين الصحابة الذين أتوا إلى بدر بفرح وبهجة كان هناك صحابي جالس تحت شجرة يأكل التمر، فسمع النبي صلى الله عليه و سلم وهو يبشرهم ويقول لهم: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة.» فقال: "بخ بخ! أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟" ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.[4]

كانت هذه هي الرغبة العامة والمشتركة لديهم في ذلك اليوم، لذا قدموا إلى بدر في شوق وفي لهفة، وهذه حالة روحية ديناميكية لا يمكن لأي قوة أن تغلبها. بهذه الروح كان هؤلاء قد أُعدوا، إذ لا يمكن مقاتلة مثل هؤلاء الجنود الذين يقبلون على القتال وكأنهم يقبلون على عرس. ذلك لأنهم يستحقرون الحياة الدنيا ولا يرجون في الآخرة إلا رضا الله تعالى، لذا لا يمكن مناجزة مثل هذا القوم ولا الوقوف أمامهم.

3- الجيش النظامي

كان من حسنات بدر أن عالم البداوة شهد جيشاً نظامياً للمرة الأولى فلم يعد هناك مكان لغارات النهب والسلب، ذلك لأن على رأس هذا الجيش كان هناك شخص أتى بالنظام للإنسانية وبالقسط. {ووضع الميزان ` ألاّ تطغوا في الميزان ` وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} (الرحمن: 7-9) تتكرر كلمة الميزان في هذه الآية ثلاث مرات، إذن، فهل هناك أمر طبيعي أكثر من أن يقوم الله تعالى الذي بيّن أهمية النظام والتوازن والتناغم بإرسال محمد صلى الله عليه و سلم كرجل نظام ودقة وتوازن على رأس جيش منظم إلى بدر؟

كانت هناك مفارز استكشاف، ولم يكن عرب الجاهلية يعرفون هذا من قبل، وكان أفراد هذه المفارز من الأفراد الذين أنضجتهم الحياة واكتسبوا فيها خبرة ودراية بحيث كان من الصعب مشاهدة كادر آخر في مستواهم. قامت هذه المفارز بما يقارب من عشرين طلعة اكتشاف جابت فيها كل أنحاء البوادي والمناطق. ولم تكن هذه الطلعات مجرد تطبيقات، بل كانت مفارز أنضجتها الحوادث وصقلتها التجارب وقابلوا الأعداء وجهاً لوجه مرات ودوخلوا معهم في صدامات ساخنة أحياناً، ووصلوا أحياناً إلى أماكن تجمعهم فأثاروا فيها الرعب والخوف، ولم يكن باستطاعة من لم يمر بتجاربهم وتدريباتهم أن يقف نداً أمامهم. كانوا على علم جيد بمواقع العدو ومن أين تمر القوافل وأين يوجد من يوصل أخبار العدو إليهم. كانت هذه هي المرة الأولى التي تتشكل فيها هذه المفارز السريعة الحركة في تاريخ البداوة، وربما في تاريخ الإنسانية، وكل ذلك بفضل الرسول صلى الله عليه و سلم، هل تقولون: كيف؟ أقول لكم إن الرسول صلى الله عليه و سلم الذي لم تكن له تجارب في الأمور العسكرية والاستخبارية قام بتشكيل جيش وطد به أمن الطرق، فأصبح في الإمكان قطع طريق طوله 200 كم رأجلاً أو راكباً على البعير دون مقابلة أي مانع أو عائق. ذلك لأن المفارز والسرايا التي شكلها قامت بما يقارب بـعشرين دورية استكشاف في هذه المناطق حتى ذلك الحين. لذا، كان في الإمكان قولهم إن المسير من هنا، وإن الطريق هو هنا وهناك، لذا استطاعوا الوصول إلى بدر في أمن وسلام، وكانت هذه مسألة مهمة.

4- التوجه إلى موضع الآبار

كانت آبار بدر هي الأماكن التي يحط الجيش فيها رحاله ويستريح، وكان العدو يحاول أيضا احتلال هذه المواضع، يسرع نحوها بفرسانه البالغ عددهم مائتي فارس، ولكن فراسة المؤمنين وسرعتهم الفائقة جعلتهم يسبقونهم لاحتلال تلك المواضع. كان موضع بدر هو الموضع الوحيد هناك الذي توجد فيه المياه، واحتل من قبل المسلمين. وكانت مفارز الاستكشاف تتعقب القافلة، فبعدما ينهون عملهم هنا كانوا ينوون التعامل مع القافلة أيضاً، لأن أموالهم التي تركوها في مكة كانت موجودة فيها وكان عليهم أن يستردوها من الغاصبين. كان المؤمنون يخططون لهذا، ولكن إرادة الله تعالى كانت تقضي شيئا آخر، يجب أن يتلقى الكفر ضربة قوية تفقدهم توازنهم فلا يستطيعون بعد ذلك رفع رؤوسهم.

قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم جيشه إلى وحدات في اليسار واليمين والوسط، ولم يكن هذا معروفاً آنذاك. كان الوسط مؤلفاً من المهاجرين ومن رؤساء الأنصار الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه و سلم على الموت، فلو بقوا هم وحدهم في الميدان لما رجعوا عن الوعد الذي قطعوه على أنفسهم، كان هؤلاء هم الذين شغلوا وسط الجيش وقلبه.

وضع على رأس قلب الجيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه الذي أثبت رشده في مواضع كثيرة، وكذلك سعد بن معاذ رضى الله عنه. كان أحدهما على رأس المهاجرين والآخر على رأس الأنصار.[5]

كان علي رضى الله عنه أعظم الصحابة من زاوية فضله الخاص به. ومع أن هناك قناعة واتفاقاً عاماً على أن الخلفاء الثلاثة الراشدون الذين سبقوه كانوا أفضل منه من ناحية الفضائل العامة، ولكن وضعه الخاص وقرابته من النبي صلى الله عليه و سلم وعلمه بأسرار آل ذلك البيت واستمرار نسل الرسول صلى الله عليه و سلم من قبله[6] وكونه تاج جميع الأولياء وقرة أعينهم. من هذه الزاوية لم يكن له مثيل آخر، كان قد أسلم وعمره سبع سنوات فلم يصبه غبار الشرك والكفر. وعندما سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أكابر بني عبد المطلب بعد أن شرح لهم أنه بعث إليهم خاصة وإلى الناس عامة قائلا: «فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟» فلم يقم إليه أحد، فقام علي رضى الله عنه وكان أصغر القوم فقال له الرسول: «أجلسْ» وكرر الرسول دعوته ثلاثا وفي كل مرة يقوم إليه علي رضى الله عنه، وفي الثالثة ضرب رسول الله يده في يد علي رضى الله عنه.[7]

وعندما أصبح عمره سبعة عشرة سنة كلفه الرسول صلى الله عليه و سلم أن يبيت ليلة الهجرة في فراشه، أي اقترح عليه الموت، فقبله.[8] أجل، لم يتردد علي رضى الله عنه في مثل هذه الأمور أبداً، لذا فقد كان هذا الشاب المملوء رجولة وشجاعة على رأس المهاجرين في بدر. فداك نفسي يا رسول الله! كم كنت مصيباً في اختيار الرجال!

أما سعد بن معاذ رضى الله عنه فكان أيضا مثال الفضيلة والاستقامة، وكان إخلاصه معلوما من قبل الجميع، وعندما جُرحَ جرح الموت في المعركة كان ما قاله وهو على فراش الموت أبلغ شاهد ودليل على إيمانه، إذ قال وقد شخص ببصره إلى السماء: "اللهم إن كنت قد أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"[9] وقد توفي متأثراً بجراحه تلك وعندما شيعه الرسول صلى الله عليه و سلم لمثواه الأخير قال عن جنازة سعد: «اهتز لها عرش الرحمن»[10] فما أصوب هذا الانتخاب وما أعظم هذا الاختيار!

كان هؤلاء هم الذين يسيطرون على قلب الجيش ووسطه، فإذا كان القائد يفضل الموت على العيش بذل فهل يفر جنوده؟ وعندما يضحي القائد برأسه ألا يضحي الجنود برؤوسهم؟ ثم إن الجنود أتوا إلى هناك وهم يبحثون عن الشهادة ويفتشون عنها. وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوجد في هذا القلب أي في المركز وفي الوسط محاطاً بمثل هؤلاء الجنود الذين أصبحوا له درعاً لا يصل إليه أحد، كلا لن يصل إليه أحد حتى يدوسوا على جثث كل هؤلاء الجنود.

كان إذن، على رأس مثل هذا القلب، وكان قد أعطى الراية إلى مصعب بن عمير،[11] فما أروع هذا الاختيار! -في معركة أُحد قطعت اليد اليمنى لمصعب فأخذ الراية بيسراه فقطعت يسراه فقال: {وما محمد إلا رسول قد خَلَتْ مِن قَبله الرُسُل} (آل عمران: 144) وحافظ على الراية حتى استشهد[12]-

كان مصعب يقف في الوسط وراية بيضاء تخفق في يده.. كانت الميمنة والميسرة قد أخذتا مكانهما بانتظام، كانت القوة الأمامية جاهزة تنتظر الأوامر، والرديف في الخلف وعلى رأسهم قيس بن أبي سعد رضى الله عنه، فلو قمت بقلع أظافرهم ظفراً ظفراً لما تأوه أحدهم، كانوا بهذا التصميم والقوة والمقاومة.

كان جيش المسلمين يمثل نظاماً لم يشاهده أرباب القتال حتى ذلك الحين ولم يعرفه أحد من قبل، وكان هذا هو الأمر الذي قصم ظهر قريش. كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أتى بنظام جديد ليعلن لهم موت الأنظمة القديمة العفنة وأنها دون فائدة.. كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أتى بنظام جديد، أما هم فكانوا مقيدين بالنظام القديم، حيث كانت الفوضى سائدة في صفوفهم. ثم إن الرسول صلى الله عليه و سلم كان على رأس جنده مما أعطى المسلمين قوة معنوية إضافية وقوة ديناميكية إضافية.. لقد سبق وأن عاهدوه قائلين: "والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أُزْرَنا"[13]

إن المهم جداً قيام الإمام بنفث الأمن والثقة في نفوس رعيته، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يقوم بهذا على أحسن وجه، لقد قال لهم: «اَلْمَحْيَا مَحْيَاكم والممات مماتكم.»[14]

كانت كلماته هذه ترن في أسماعهم، وكان يتجول بينهم ويتواجد في وسطهم، ثم إنهم جاءوا إلى هناك وهم يتعاقبون الركوب على الجمال (ويح نفسي ليته داس على وجهي ولم يدس على التراب)، وركب معه اثنان على جمله حتى وصولهم إلى بدر.. كانا حزينين ويقولان له: "اركب حتى نمشي عنك" ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يقول لهما: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما»[15] كان أمير الأمراء يقول هذا.. إنه إنسان بين الناس، يقوم ويجلس معهم ولا يفارقهم.. يجلس معهم ويأكل من الطعام نفسه الذي يأكلونه ويشاركهم في كل شيء ولا يتميز عنهم.

أصبحت كلمة "المساواة" تتردد كثيراً على ألسنة الناس بعد قيام الثورة الفرنسية، فهل رأى الناس منذ ذلك اليوم مساواة؟ لم يعرف هذه المساواة سوى الإنسان الذي عاش في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين وذلك بفضل الرسول محمد صلى الله عليه و سلم.

لقد فتحت السماء أبوابها له في أحلك أيامه واحتضنته وحفت به الملائكة، وكما قال الشاعر"نظامي" [16]:

لقد أصبحت أنصاف الأهلة حدوات تحت حوافر جواده

قالت له الجنة: "لا تذهب، ابق هنا" ولكنه رجع إلى وسط الناس. يذكر الولي الكبير"عبد القدوس" هذه الحادثة فيقول: "وصل النبي محمد صلى الله عليه و سلم إلى مقام لم يصله أحد، وأنا أقسم بالله لو أنني صعدت إلى تلك المقامات لما رجعت منها إلى الدنيا أبداً"، ويعلق على هذا الكلام ولي آخر فيقول: "هذه هي المسافة التي تفصل بين النبي والولي والتي لايمكن قطعها أبداً".. كيف يمكن قطع هذه المسافة؟ إنه الرسول محمد صلى الله عليه و سلم.

أجل، فمع انه في مثل هذه المنزلة لدى الله سبحانه و تعالى فهو يرى نفسه إنساناً بين الناس ويحب أن يكون بينهم. لقد شاهدت الإنسانية المساواة بواسطته، ولو وصلت الإنسانية إليها مرة أخرى فسيكون أيضا بفضله، وهذا الانتظار حقيقة نابعة من طبيعة علم الحقوق نفسه. هكذا كانت بادية العرب تنظر إلى هذا الجيش من جانبه هذا، وكان هذا شرفاً كبيراً بالنسبة للبادية.

قام الرسول صلى الله عليه و سلم بتنظيم الجيش بنفسه وعين له مواضعه ثم حفر بئراً كبيرة في وسط الموضع حيث ملئت بماء يكفي الجيش حتى انتهاء المعركة، ثم قام بسد جميع الآبار الأخرى،[17] إذن، فسيأتي العدو دون تهيؤ معتمداً على وجود الآبار هناك، وعندما يرون ما حل بالآبار سيحسون بأن ظهرهم قد انقصم، وهذا ما حصل فعلاً.

وكما كان نظام الجيش جيداً، كان أسلوب حركته وقتاله جيداً أيضاً، فالجنود كانوا يعرفون جيداً أين يستعملون النبال وأين يستعلمون الرماح وأين يستعملون السيوف ومتى تدخل ميمنة الجيش وميسرته المعركة. ومتى تتدخل القوة الموجودة في الخلف.. كل هذه الأمور كانت مؤقتة توقيتاً ممتازاً.

أما المكان الذي أقام فيه الرسول صلى الله عليه و سلم خيمته أو عريشه فقد اختير بدقة كبيرة تليق بقائد عظيم مثل الرسول صلى الله عليه و سلم. إذ كان هذا الموضع يشرف على ساحة المعركة إشرافاً جيداً، وكان يشرف منه على الجناحين الأيمن والأيسر وعلى القوة خلفهما. وكان بمكانه الاتصال بالجند وإيصال الأوامر وتكتيك القتال إليهم بسرعة.

كان كل شيء قد تم وستبدأ الحرب بعد قليل وسينتصر المسلمون على أعدائهم الذين يفوقونهم بـثلاثة أضعاف ويلحقوا بهم هزيمة نكراء بخسائر قليلة تبلغ أربعة عشر شهيداً فقط، وكما ذكرنا سابقاً فقد أعطى الرسول صلى الله عليه و سلم للمسلمين شعار المعركة وهو الهتاف بـ "أحد، أحد"، وأحد اسم من أسماء الله الحسنى لا يجوز تسمية أي شخص بهذا الإسم، والأحد هو الواحد في ذاته {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، فالأحد هنا إشارة إلى توحيد الألوهية وإلى توحيد الربوبية كذلك. فمثنى الواحد هو اثنان، ولكن لا يوجد مثنى للأحد فالأحد رقم فريد بين الأرقام لا يوجد له ثان أو ثالث، أي إن الله واحد أحد لا ثاني له.

كان الشعار في ذلك اليوم هو "أحد أحد"، وكلما هتفوا بهذا الشعار كأن صوتاً يأتيهم من وراء الغيب يقول لهم: لبيكم عبادي. فإذا كان هذا هو حكمة اختيار هذا الشعار فالحكمة الثانية هي أن أهل مكة كانوا يجهلون حتى ذلك الحين إطلاق الشعارات. وكان المؤمنون بفضل هتافهم بهذا الشعار يشعرون برابطة أقوى من جانب ومن جانب آخر كانوا يلقون الرعب في قلوب المشركين وهم يسمعون هذا الهتاف المدوي من أناس عليهم ملابس بيضاء كأنها الأكفان. كان المؤمنون يبحثون عن الموت وعن الاستشهاد في سبيل الله.. كان هذا هو غايتهم الوحيدة.

5- المبارزة الأولى

ومع بقاء التنظيم العام، والاستيراتيجية العامة محفوظة فإن القرارات كانت تصدر تباعاً حول كل تكتيك جديد، وكانت كلها موفقة.

في البداية أخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة مبارزين، كان كلهم من الأنصار ومن الأفراد المهمين والمشتاقين إلى الشهادة، فلو تصدى لهم عنترة أو هرقل لما تردد أحدهم في مبارزته والقتال معه. ولكن قريشا أبت بغرور وبكبرياء وقالت: أخرج لنا يا محمد أكفاءنا من قومنا. كان هذا هو الغرور المهلك بعينه، وهو ما ينتظره الرسول صلى الله عليه و سلم، ومع أننا لا ندري، فقد يكون هذا هو تكتيكه؛ فكتب السير لا تذكر هذا، ولكن مما لا شك فيه فالأشخاص البارزين كانوا معيين في ذهنه فقال: «قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قم يا علي!» كان هؤلاء الأشخاص الثلاثة يعادل كل منهم جيشاً.. كان اثنان منهما ابني عم له، والثالث عمه، أي إن أول من أرسله ليدق أبواب الموت كان أقرب الناس إليه رحماً ونسباً. وخرج ثلاثة مبارزين من بين الطرف الآخر، عُتبة وشيبة والوليد بن عُتبة. كان العدو على أعتاب هزة كبيرة، كان هؤلاء من أقوى رؤساء القبائل.. وعندما سقط الأخوان وابنهما صرعى بالسيف في وسط بدر هبطت الروح المعنوية لدى صفوف العدو. وكان هذا أولى علامات انجراره إلى الهزيمة. أما عبيدة الذي أخذ جراحاً شديدة فقد أخلي من ساحة المبارزة وذهبوا به إلى ابن عمه رسول الله صلى الله عليه و سلم المرشد إلى أبواب الجنة حيث توفي بقربه.[18]

هبطت الروح المعنوية لدى الأعداء بعد قتل عُتبة وشيبة والوليد، فقد كان هناك أناس قدموا إلى المعركة بإلحاح من هؤلاء الثلاثة. فكان موت هؤلاء الثلاثة سبب رعب وغيظ وفوضى لدى العدو.

6- غايات متباينة

بدأ كل واحد ينعق بشيء مختلف، إذ اختل النظام وسادت الفوضى، وهذا جعلهم هدفاً لنبال ورماح المسلمين ثم لسيوفهم. كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وجه إليهم ضربة أطارت صوابهم فلم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون، ثم إنهم عندما أتوا إلى بدر لم يأتوا إليه في سبيل مبدأ أو فكر أو مُثل معينة، بل جاءوا يحدوهم الحقد والغضب، بينما جاء الرسول صلى الله عليه و سلم إلى بدر في سبيل فكرة سامية وهدف نبيل، كان هدفه هو إعلاء كلمة الله. أجل، إن المبدأ مهم جداً، لم يكن أبو جهل وشيبة وعُتبة وابن أبي مُعيط وأُمية بن خَلَف يعرفون لماذا يقاتلون، لقد جاءوا بدافع الحقد والغيظ ليقتلوا الناس هناك، وكانوا يعتقدون أنهم بعملهم هذا يعلون من شرف الكعبة ويزيدون من منزلتهم ومكانتهم في أعين الناس، لم يكن لهم أي مكسب بالنسبة للماضي، وما كان بالإمكان أن يكون، ذلك لأنهم أتوا إلى هناك بدافع الحقد والغيظ والغضب.

أما المؤمنون فقد كانوا هناك من أجل تحقيق هدف سامٍ، وهو إعلاء كلمة الله تعالى ونشرها في أرجاء الأرض. كانت القلوب تخفق بهذه المشاعر وترى أن الموت يهون من أجل تحقيق هذه الغاية، وذلك لأنهم كانوا يُستشهدون في سبيل الله، لذا كانوا ذاهبين للقائه، ومن يلق الله تعالى ويصل إليه لا يخسر شيئاً، بل يكسب الشيء الكثير. كان كل مؤمن يقاتل بهذه العقيدة ويستهين بالحياة بهذه العقيدة، بينما كان الطرف المعادي يرى أن الحياة أهم شيء ومعقد جميع آمالهم.

كل همهم أن تطول حياتهم هذه. ولو تحقق انتصارهم في بدر لقام أبو جهل بتحقيق يمينه وهو أن يشرب الخمر ويرقص الراقصات ويلهو ويطرب،[19] بينما صلى المسلمون هناك ودعوا الله وتضرعوا إليه وبحثوا عن الوسائل والطرق التي تقربهم إلى الله تعالى.

كان هذا هو الفرق بين الجمعين. فأحدهما كان وكأنه يحلق في السماء والاطمئنان يلفه، والآخر قد هوى إلى أخفض قعر في الدنيا وهو يتلوى من الضيق والاضطراب.

7- فرعون الأمة يصرع

يقول عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ قلت: نعم وما حاجتك إليه؟ قال: "أُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا" فتعجبت، لذلك فعمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبراه فقال: «أيكما قتله؟» قال كل منهما: أنا قتلته قال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، قال فنظر النبي صلى الله عليه و سلم في السيفين فقال: «كلاهما قتله»[20] وهكذا سقط فرعون هذه الأمة قتيلاً. أما الغلامان فهما معاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء. وفي رواية هما إبنا عفراء رضى الله عنها.

لقد اجتازوا مرحلة الجاهلية إلى الطرف الآخر، وفي أُحد لقوا ما صبوا إليه إذ لقوا الله تعالى. والحقيقة أنهم عندما أتوا إلى بدر أتوا لتحقيق مثل هذه الغاية السامية. والخلاصة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعلن الحرب على الذين ناصبوه العداء طوال دعوته، ومدوا يد الإساءة وخاصموا الحق والحقيقة والعلم والعرفان، والأهم من ذلك أنهم خاصموا الإيمان والإسلام. ولكنه في أثناء نضاله معهم كان يحسب خطواته جيداً فلا يخطو الا بحساب وبتوازن وبحكمة فلا يقع في أي هفوة أو خطأ، فكأنه جاء إلى بدر خمسين مرة وحارب العدو هناك خمسين مرة، وكأنه طبق خطته واستراتيجيته هناك خمسين مرة، لأنه لم يظهر هناك أي خطأ ولا أي هفوة، وكأنه ذهب إلى هناك في نزهة، وهناك انتصر بعون الله ورعايته وتوفيقه.

كل نصر سيؤدي إلى نصر آخر، أي كان قد دخل إلى دائرة مثمرة (هذا ضد تعبير دائرة مفرغة) هنا يؤدي الخير إلى خير آخر، بينما في الدائرة المفرغة يؤدي الشر إلى شر آخر، والتعقيد يؤدي إلى تعقيد آخر، والأخطاء تسلمك إلى أخطاء أخرى، وهكذا يستمر الأمر... أجل، لقد هُيئت الأسلحة وتمت التعبئة بشكل جيد، لذا فلا بد أن تحصل على نتائج جيدة، وكما قال الرسول صلى الله عليه و سلم: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير»[21] وكانت معركة بدر خيراً خالصاً.. خيراً للقلب وخيراً للفكر إذ فتح الله أبواب ألف خير للذين حملوا أرواحهم على أكفهم في تلك المعركة فكأنه قال لهم: اسلكوا أي طريق تشاؤن فسيكون النصر حليفكم.

8- ثم الهزيمة

انقصم ظهر المشركين من هذه الضربة التي تلقوها من الرسول صلى الله عليه و سلم، واستمر هذا الرعب عندهم مدة طويلة، ولولا أن بعض المشركين من أنصار أبي جهل وأمثاله قاموا بإثارتهم وتوجيه دعاية مكثفة بينهم لما تجرأ أحد منهم للخروج لقتال المسلمين يوم أُحد، وما كان خروج قريش للقتال يوم أُحد إلا بباعث من الانتقام والحقد، لقد بدأوا يقولون: لابد أن نقاتلهم مرة أخرى مهما يكن الأمر، وحقد وإصرار هند بنت عُتبة مثال جيد على هذا، إذ كانت تقول لابي سفيان: لقد قتل أبي وعمي وأخي وليد وأنت قاعد في البيت كالنساء، وبدلاً من البقاء مع امرأة فإني أفضل الذهاب إلى بيت أمي. كانت النساء يبكين كل يوم ويشققن ثيابهن ويلطمن وجوههن ويثرن الرجال. وهذه إلاثارة التي استمرت عاماً كاملاً دفعت المشركين إلى الخروج لمقاتلة المسلمين في أُحد. وسنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد.

أجل، لقد أنزل الرسول صلى الله عليه و سلم في بدر ضربة قوية على رؤوسهم بحيث أنهم ما عادوا يفكرون في مواجهة المسلمين، ولكن لم يكن هناك شيء يستطيع أن يهدئ الحقد والغيظ في قلوبهم، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أسدى إليهم بعد معركة بدر جميلاً ومعروفاً ليداوي نفوسهم المجروحة وكرامتهم المهدورة، فمثلا كان بمقدوره أن يأمر بقطع رؤوس جميع الأسرى الذين اقتيدوا إليه والذين أساءوا إلى المسلمين إساءات كبيرة وآذوهم إيذاءاً شديداً، ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم فضل أن يمن عليهم وأن يعفو عنهم. وقال: لنعف عن هؤلاء، وأخذ الفدية من بعضهم، وطلب من بعضهم القيام بتعليم عشرة من صبيان أهل المدينة القراءة والكتابة.

9- أهداف العفو عن الأسرى

أولاً: كان هذا معروفاً أسداه النبي صلى الله عليه و سلم لهم. فطلب الفدية عن هؤلاء الأسرى ساقهم إلى قبول الفدية بكل سرور، ثم إن ما أعطوه لم يكن إلا جزءاً من أموال المسلمين التي بقيت في مكة والتي اغتصبوها منهم.

ثانيا: كانت نسبة من يقرأون ويكتبون في المدينة حتى ذلك الحين نسبة واطئة، بينما كان أهل المدينة مرشحين لأن يلعبوا دوراً مهماً في تبليغ العلم والدين، لذا كانت حاجتهم إلى تعلم القراءة والكتابة أكثر من غيرهم. ثم إن الفرق الثقافي بين أهل مكة وأهل المدينة كان سينقلب لصالح أهل المدينة بهذه الوسيلة.

ثالثاً: إن الذين سيبقون في المدينة لتعليم القراءة والكتابة سيجدون فرصة للتعرف بالإسلام عن قرب، وعندما سيعودون إلى مكة سيكون كل واحد منهم داعياً إلى الله ورسوله في بيته، لأن الرسول صلى الله عليه و سلم استطاع بمكرمته هذه وتسامحه معهم أن يفتح قلوبهم.

تأملوا مثلاً ابن هشام وهو أخو أبي جهل فإنه لم يشترك في أي معركة ضد الرسول صلى الله عليه و سلم حتى إسلامه، ذلك لأنه رأى من كرم الرسول صلى الله عليه و سلم معه وتسامحه ومروءته ما جعله يخجل من أشهار السلاح في وجهه، وكان هذا الأمر عاماً تقريباً بالنسبة للجميع.

رابعاً: إن أهل هؤلاء الأسرى وأقرباءهم الذين قطعوا الأمل عن حياة هؤلاء الأسرى عندما رأوهم والتقوا بهم وهم سالمون لم يتعرض أحد إليهم بأي أذى سرى إليهم شعور العرفان بالجميل، لأنهم كانوا يعرفون جيداً مدى الأذى الذي ألحقوه سابقاً بالمسلمين، ومع كل هذا فها هو الرسول صلى الله عليه و سلم يتصرف مع كبار قريش بهذا اللين وبهذه المروءة.. هذا اللين والمروءة التي لم يكن يظهرها المكي حتى لأولاده. وقد أدت هذه المروءة التي أبداها الرسول صلى الله عليه و سلم نحو الأسرى إلى فتح قلوب الكثيرين من أهل مكة وجيرانهم من المتفقين معهم إلى درجة لو أن أبا جهل لم يقتل في المعركة لما بقي حتى في بيته أحد من الكفار غيره، لأن كل شخص حتى في ذلك البيت لان قلبه حتى أبو سفيان -وكان من أشد بني أُمَيّة على الإسلام- بدأ يتصرف بمرونة ولين على الرغم من كونه زوجاً للمرأة التي فقدت أباها وعمها وأخاها. لهذا نراه لم يخرج إلى بدر الآخرة على الرغم من إعطائه قرار الخروج هذا من معركة أُحد. فلولا حصول هذه المرونة واللين لكان من المحتمل حدوث شرور كثيرة.

أجل، لقد دخل الرسول صلى الله عليه و سلم بمعركة بدر إلى طريق خير، لأن من ملك القوة آنذاك كان يظلم ويفترس الآخرين كالوحش. وعندما تهيأت الفرصة لهند لاكت كبد حمزة وكأنها من القبائل الآكلة للحوم البشر، ولكنها لم تستطع أن تأكله[22] ولو تيسر لها ذلك في بدر لما ترددت في فعل الشيء نفسه. ولكن المسلمين عندما تيسر لهم النصر في بدر أعطوا أمثلة سامية حول كيفية التصرف الإنساني. وبينما كان الباقون يصبحون هدفاً للنقمة في مثل هذه المواضع كان المسلمون يتألفون القلوب. وكان هذا نتيجة فطنة الرسول صلى الله عليه و سلم، ونحن نتناول الجانب العسكري الممتاز للرسول صلى الله عليه و سلم كبعد من أبعاد فطنته هذه.

10- أسباب النصر

إذا نظرنا إلى انتصار الرسول صلى الله عليه و سلم في بدر من ناحية الأسباب فإننا نستطيع أن نقول بأنها كانت مرتبطة بما يأتي:

قام الرسول صلى الله عليه و سلم بتعبئة عسكرية جيدة، فقد جاء إلى بدر بجيش مرتبط بقائد واحد يتحرك بموجب أوامره وإرشاداته، وكان هذا الجيش يملك روحاً معنوية عالية جداً وإيماناً قوياً وراسخاً. بهذا الإيمان كانوا يشاهدون بساتين الجنة وهم في الارض، حتى أنهم لم يكونوا متأكدين وهم يمشون في قمم تلال بدر أهم يدوسون على تل في بدر أم على تل في الجنة.. بمثل هذا الإيمان ذهبوا إلى بدر. ثم إن الجنود كانوا مشبعين بروح الطاعة للأوامر الصادرة إليهم، فلو أطيحت برؤوسهم لما أقدموا على عمل دون أن يتلقوا حوله الأوامر. فالكل كانوا ينتظرون الأوامر من الرسول صلى الله عليه و سلم. وكان صدور الأوامر من مركز واحد شيئاً مهماً في أثناء سياق المعركة، وقد اهتم الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا الأمر فجعل صلاحية إصدار الأوامر مركزية وعلى أسس ثابتة ومتينة. ثم إنه أنشأ شبكة الاستخبارات جيدة، فمن موضع خيمته كان يستطيع أن يشرف على المنطقة كلها، وكان ينزل أحياناً إلى وسط الجند يتفقدهم، وعندما يشاهد أي ضعف أو خلل في أي موضع ذهب إليه ليعالجه. يقول علي بن أبي طالب رضى الله عنه: "لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أقربنا إلى العدو"[23] صحيح أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان قريباً من العدو ولكن كان من يتجرأ للاقتراب منه من الأعداء يتهاوى وكأنه اصطدم بسور قوي من اللحم والعظم.

كان الرسɈل صلى الله عليه و سلم يتجول بين جنده ويشجعهم ويرفع روحهم المعنوية ويقول لهم بأن الله تعالى معهم وأنه سيؤيدهم بنصره. بهذه الروح المعنوية العالية وبهذه الطاعة التامة والانقياد الكامل كان الجميع يتصرفون وكأنهم ذاهبون إلى الجنة.

ثم إن جيش المسلمين كان منظماً بالقياس إلى ظروف وأحوال ذلك اليوم، فقد تمت تعبئته جيداً. فهناك الجناح الأيمن والجناح الأيسر ومركز الجيش والقوة الاحتياطية. وكل هذه الأمور التي اهتم بها الرسول صلى الله عليه و سلم كانت هي خلاصة العلم العسكري آنذاك. وقد وجه الرسول صلى الله عليه و سلم جميع هذه الأمور ووضعها واستعملها في أماكنها الصحيحة. فمثلاً موضوع الطاعة، فالجندية هي الطاعة وهو أول ما يتعلمه الجندي المبتدئ في الجيش لأنها مهمة جداً، فإذا قيل للجندي: ازحف! زحف، وإذا قيل له: قم! قام. وكان الرسول صلى الله عليه و سلم قد علم جنوده الطاعة قبل قدومهم إلى بدر، ثم نصب خيمة القيادة فوق تل من تلال بدر حيث يشرف منها على كل شيء، ويصدر منها الأوامر التي سرعان ما يطيعها الجميع. ثم إنه نفث في قلوب جنده إيماناً لا يتزعزع بحيث أن هذه المعركة كانت معركة بين الذين يستهينون بالحياة وبين الذين يتشبثون بها ويحبونها. أحدهما يرغب في قطف الورود من بستان الزهور، والثاني يرغب في سقي بستان الورود بدمه، يقول أحدهما:

"يكفي حملي لعبء هذه الحياة، فمتى تفتح أبواب الجنة لأدخلها وأتجول في ربوعها"، أما الآخر فيقول: "ليتني أرجع سالماً لكي أعب الخمر عباًّ وأشاهد رقص الراقصات وأتلذذ بلذائذ هذه الحياة." أجل، كانت المعركة بين فئتين.. فئة تستهين بالحياة، وفئة تعبد الحياة، كما كانت المعركة بين جماعة منظمة وبين مجموعة من الأشخاص غير المنظمين، وكانت نتيجة المعركة معروفة منذ بدايتها، لإنها كانت بين النظام وبين الفوضى. ففي صف المسلمين ما إن تحدث ثغرة في موضع ما حتى يسرع الرسول صلى الله عليه و سلم إليه ويقوي ذلك الموضع، وكان المسلمون عندما يرون الرسول صلى الله عليه و سلم بينهم تزيد شجاعتهم وتضحيتهم فلا تلبث أن تنغلق تلك الثغرة.

ولا شك أن من صفات وميزات أصحاب الدعوات قيامهم بتطبيق خطط مختلفة تكون ملائمة للظروف المستجدة دوماً. كان الرسول صلى الله عليه و سلم يهيئ خططه في فكره بأدق تفاصيلها دون أن ينسى أي تفصيل، ولم يكن يعرف أسلوب وخطط الرسول صلى الله عليه و سلم وكيفية تصرفه سوى أقرب قواده إليه. بينما كان العدو يحارب بأسلوب فوضوي بعكس جيش الرسول صلى الله عليه و سلم الذي كان يعرف ماذا يفعل بالضبط وأين يوجه نباله وإلى أين يرمي رماحه. أجل، إن الاستيراتيجية مهمة جداً.

11- ترك الجبهة ليس من شيمة المؤمن

وشيء آخر مهم وهو عدم قيام أي جندي بأي تصرف شخصي، بل عليه البقاء في موضعه وإن كان ذلك يعني الموت إلى أن يأتيه أمر آخر منه صلى الله عليه و سلم حتى وإن كانت الهزيمة مقدرة عليه، فالقرآن الكريم يقول: {يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتم الذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهم الأَدْبار} (الأنفال: 15).

أي يجب عدم الفرار وإن بقي في الجيش شخص واحد فقط، وأنا كلما تذكرت هزيمة "فيينا (Wien)" أحسست بألم حارق في أضلعي وأقول لنفسي ليت جنود "قره مصطفى باشا" ماتوا هناك حتى آخر رجل فيهم ولم ينسحبوا، فمن يدري فلعل الهزيمة انقلبت إلى نصر وسقطت التفاحة الحمراء[24] التي لم نستطع فتحها طوال التاريخ. ولكن عندما أصبحت الحياة حلوة في أعين الجنود، والموت شيئاً مرعباً، وتراجع الإيمان والشوق إلى الجنة إلى المرتبة الثانية أو الثالثة عندهم، والأهم من ذلك عندما تكبر الدنيا في عين المؤمن وتكون مهمة عنده، يسلب الله تعالى المهابة من المؤمنين، وعندما يخسر المؤمن مهابته يستطيع الكافر أن يغلبه وأن يسخر منه ويخدعه. [25]

لا يليق بالمؤمن الهروب من ساحة القتال، قد يقطع هناك إرباً إرباً ولكن لا يمكن له ولا يليق به الهروب، والتاريخ مليئ بآلاف الأمثلة على هذا، وكأن جميع هؤلاء تعلموا الشجاعة والرجولة من أسود بدر، ومعركة بدر مهمة جداً من ناحية أنها أصبحت مثالاً وأنموذجاً للمستقبل.

في معركة اليرموك حارب 20 ألف بطل أمام 201 ألف من الجيش البيزنطي، كانت هذه معركة مشابهة لبدر، وقد تم النصر بالروح وبالمشاعر نفسها التي كانت سائدة في بدر. تأملوا مثلاً حال بطل واحد من بين آلاف الأبطال، إنه قَبّاث بن أَشْيَم، قطعت رجل هذا البطل في المعركة في وقت الظهر بضربة سيف ولكنه لم يحس بذلك، وعندما تم النصر للمؤمنين في وقت العصر أراد هذا البطل الترجل عن جواده، وعندما مد رجله كالمعتاد لينزل وقع على الأرض، وعندما حاول أن ينهض أدرك ما جرى له.. كانت رجله قد سبقته إلى الجنة... وبعد سنوات عندما أراد حفيده أن يعرف نفسه للخليفة عمر بن عبد العزيز قال له: "أيها الخليفة! إنني حفيد الذي فقد رجله في الظهيرة ولم يحس بذلك إلا في العصر."

كانوا يقاتلون وهم لا يهتمون لا بالدنيا ولا بنعيم الآخرة، بل كانوا -مثلهم مثل الشاعر المتصوف يونس أمره- يقولون وقلوبهم متجهة لله وحده: "أنت ضالتنا... أنت!"

الهرب في أثناء الحرب جريمة كبرى، وقد أعطى الله تعالى هنا مقياساً محدداً يحدد بموجبه ويقيم به الانسحاب نحو الخلف ويمكن به فقط أن يكون جائزاً، ولا يستطيع أحد أن يفسر الانسحاب والتراجع تفسيراً ذاتياً وشخصياً وحسب هواه، والآية التالية هي التي رسمت إطار هذا الأمر: {ومن يُوَلِّهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لِقِتال أو مُتَحيِّزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} (الأنفال: 16).

وعندما رجع أبطال معركة مؤتة إلى المدينة لم يستطيعوا مواجهة الرسول صلى الله عليه و سلم، لأنهم كانوا خجلين منه، إذ كانوا يعدون أنفسهم وكأنهم هربوا من المعركة لذا، كانوا يرغبون في الاختباء عنه، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم طيب خاطرهم واحتضنهم وسلى نفوسهم بتلاوة الآية الكريمة السابقة. وعندما قال له بعض الصحابة: نحن الفرارون، أقبل إليهم وقال: «لا بل أنتم العكّارون[26].»[27]

أجل، إن كان ولا بد من التراجع والانسحاب فيجب أن يتم ذلك بأمر من القائد، وهذا ما تم في معركة مؤتة.

وشيء آخر مهم في هذا الخصوص وهو أن يكون القائد بين جنوده، والتاريخ يشهد بأنه متى ما كان رأس الدولة المسلمة على رأس جيش انتصر مثل هذا الجيش في أغلب الأحوال، ومتى ما قعد السلاطين في القصور -كما حدث في بعض عهود الدولة العثمانية- بدأ التحلل والتسيب والتراجع، وقد قضى السلطان سليمان القانوني مدة حكمه البالغة 46 سنة على ظهر جواده يتنقل من جبهة قتال إلى أخرى، وكان هذا من أهم أسباب احتفاظه بالدولة في القمة بعد معونة الله تعالي له.

لقد حاولنا حتى الآن شرح أن الانتصارات التي تمت في بدر وفي غيرها من المعارك والحروب إنما تمت بالاتكال على الله والثقة به، واتخاذ جميع الأسباب والعوامل الإيجابية ورعايتها. أجل، فبعد قيام الرسول صلى الله عليه و سلم بجميع أنواع الأدعية الفعلية[28] فتح كفيه وتضرع إلى ربه تضرعاً حاراً، وعندما اتحدت هذه الأدعية وهب الله تعالى للمؤمنين نصراً مؤزراً.

حاولنا أن ننقل لكم -وإن لم يكن بشكل مفصل وعميق- معركة بدر من كتب المغازي والسير.

وقد ظهر أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان رجلاً عسكرياً رائعاً، إذ استطاع بحفنة من أبطاله المغاوير الوصول إلى الأهداف التي عينها له مولاه وربه دون أن يقع في أي هفوة أو تقصير أو خطأ، وعلى جبين نجاحه وانتصاره نقرأ على الدوام حقيقة أن "محمد رسول الله". لماذا كان منتصراً؟ لأنه كان رسولاً من عند الله تعالى، كان عسكرياً جيداً لأن الله تعالى رباه وعلمه. أجل، كان يتلقى تعليمه ودروسه من الله تعالى، لأنه كان مكلفاً بأداء مهمة خاصة، وكانت فطنته الكبيرة من أكبر النعم التي أنعمها الله تعالى عليه، والتي كان يقيّم بها ويفهم بها بكل دقة جميع الأوامر الإلهية. وهذه الفطنة والعقل الكبير والمذهل -وليس عقل الخب- هو العقل الذي يفهم أوامر الله تعالى ومشيئته فهماً كاملاً لا قصور فيه. أجل، إن فخر الإنسانية هو الشخص الوحيد الذي فهم الحقائق الموجودة في كتاب الكون بشكل متسق مع القرآن الذي هو كتاب الله وأوامره.

فكل ما قاله القرآن هو نفس ما يقوله كتاب الكون الذي ظهر بقدرة الله وإرادته وتخطيطه ومشيئته، ولم يكن هناك مثيل للرسول صلى الله عليه و سلم في التوفيق بين هذين الكتابين، أو بتعبير أصح فهمُ هذا التوفيق والتناسق بينهما وتطبيقه في الحياة.

ب- معركة أُحد: المرتقى الصعب

والآن لنرجع بعناية الله تعالى إلى أُحد لنتابع ذلك القائد الرائع والإنسان الكبير والنبي الذي لا مثيل له من زاوية معركة أُحد، والفطنة والفراسة التي أبداها هناك.

في أُحد تميز المؤمن عن المنافق والوفي عن الجاحد والشجاع عن اللئيم وعن الجبان، والمرتبطون بالنبي صلى الله عليه و سلم ارتباطاً حقيقياً عن الذين في قلوبهم مرض.. معركة أُحد هذه سيتم ذكرها على الدوام بنوع من الأسى.

في أُحد الأيام وبينما النبي صلى الله عليه و سلم يمر من سفح جبل أُحد ألقى إليه نظرة طويلة ثم قال: «أُحد جبل يحبنا ونحبه»[29] وكأن هذا القول دفاع عن جبل أُحد يهب علينا من وراء أربعة عشر قرناً لمن يحمل في قلبه أي شعور بالأسى نحو جبل أُحد. فرسول الله صلى الله عليه و سلم لايريد منا إسناد الشؤم أو عدم الوفاء لجبل أُحد، لذا قال هذا القول ليكون برداً وسلاماً للقلوب التي يحيط الحزن للجرح الذي أصاب كرامة المسلمين في هذه المعركة، وهو يريد منا البحث عن أسباب أخرى لتلك النتيجة. أجل، لم تجرح كرامة المسلمين في العهد النبوي في أي معركة مثلما جرحت في تلك المعركة، هذا صحيح ولكن السبب في هذا لم يكن جبل أُحد، بل إن جبل أُحد حفظ المسلمين وحماهم عندما أحاط بهم الذهول والاضطراب، احتمى المسلمون بجبل أُحد وتخلصوا بذلك من هزيمة تامة، هذا من زاوية الأسباب.

لقد كان السبب الحقيقي للهزة المؤقتة التي أصابت المسلمين يكمن في انسحاب بعض المنافقين من الجيش منذ البداية، وما أدى إليه هذا الانسحاب من أثر سيء في الروح المعنوية للمسلمين، ثم عدم قيام بعض الصحابة بإطاعة الأوامر بالمستوى اللائق بهم، وظهور ميل عندهم إلى جمع الغنائم حتى وإن كان هذا الميل مشروعاً. ومهما يكن فلا شك أن هزة أصابت المسلمين يوم أُحد، ولكن ربط هذه الهزة بجبل أُحد لم يكن صحيحاً، لذا عبر الرسول صلى الله عليه و سلم عن حبه لجبل أُحد لكي يزيل هذا الوهم من الأذهان.

والآن لنتناول موضوع ماذا حدث وكيف تم المجيء إلى أُحد وما هي الأسباب التي أدت إلى هذه المعركة، وهل كان من الممكن اجتنابها؟ لنبدأ أولاً بتحليل معركة أُحد لكي يتبين كيف أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان قائداً عسكرياً لا نظير له حتى في هذه المعركة التي بدت في نتيجتها وكأنها كانت معركة خاسرة.

لقد أدت هزيمة معركة بدر إلى إثارة حقد وغيظ مشركي مكة ولاسيما عند أولئك الذين قُتل أقرباؤهم أو أبناؤهم، فهؤلاء كانوا يثيرون أهل مكة على الدوام ويحرضونهم على الانتقام وعلى أخذ الثأر.

ولم تكن جهود الإثارة منحصرة في مكة فقط، فقد كانت هناك جهود مبذولة في المدينة أيضا في هذا الاتجاه بوساطة كعب بن أشرف، وكان هذا يهودياً يحاول إلقاء الفتنة بين المؤمنين بأشعاره التي يشبب بها بنساء المسلمين ويفتري عليهن، بل إنه لم يتورع من مد لسانه القذر إلى الرسول صلى الله عليه و سلم نفسه، ومع أن المسلمين كانوا يحسون بضيق شديد من هذا الوضع إلا أنهم كانوا دائماً يجابَهون بصبر الرسول صلى الله عليه و سلم وحلمه ونظرته البعيدة.

بدأ المشركون أيضا بترتيب السرايا، فقد تعلموا هذا وبدأوا يحاولون بترتيب هذه السرايا التي كانت تقوم بأعمال النهب والسلب وإضعاف الروح المعنوية لأهالي المدينة. وكانوا أحياناً ينجحون في هذا واستمر هذا طوال سنة بعد معركة بدر، وبدأ المكيون يضايقون أهل المدينة مضايقه الجراثيم للجسم، لذا كان من الضروري حفظ المدينة -المؤهلة لأن تكون مهداً للمدنية- من جميع الجراثيم الضارة، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه و سلم. في هذه الفترة قُتل كعب بن الأشرف أعدى أعداء الإسلام، لأنه كان على رأس شبكة خائنة، فكان قتله ضرورياً وقام محمد بن مسلمة بهذه المهمة.[30]

وبدأ يهود بني قينقاع بإثارة المتاعب، فقد تحرشوا بامرأة مسلمة، وفي حادثة الشغب التي أعقبت هذا التحرش قتل رجال من الطرفين، ولم يكتفوا بهذا بل قالوا للرسول صلى الله عليه و سلم وهم مطمئنون إلى قلاعهم الحصينة: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لَتعلمَنّ أناّ نحن الناس. فتوجه إليهم الرسول صلى الله عليه و سلم لأنهم برهنوا أنهم أناس لا يمكن الاطمئنان إليهم وأنهم على استعداد دائم لإثارة الشغب والمشاكل. وقد ندم اليهود على فعلتهم واضطروا إلى الاستسلام ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم أخرجهم من المدينة لأنه لم يكن مطمئناًّ إليهم.[31] وبخروجهم أصبحت المدينة المنورة أكثر أماناً.

في هذه الأثناء كانت مكة تغلي، فقد أقسم أبو سفيان أن لا يمس الطيب حتى ينتقم من المسلمين، حتى أنه أتى مرة إلى المنطقة التي يسكنها يهود بني النضير وأشعل النار في بيت أو بيتين من بيوت المسلمين ثم هرب إلى مكة.[32]

كانت شبكة الاستخبارات التي أسسها الرسول صلى الله عليه و سلم تمده على الدوام بجميع الأخبار أولاً بأول، ومنها علم أن قريشاً قادمة إليه بقضها وقضيضها، برجالها ونسائها، وكذلك برجال من بعض القبائل الحليفة معها. فجمع الرسول صلى الله عليه و سلم كبار مستشاريه واستشارهم في هذا الأمر.

كان من رأى الرسول صلى الله عليه و سلم أن يبقى المسلمون في المدينة ليمارسوا حرباً دفاعية، فكما واجهت قريش في بدر استراتيجية لم تألفها، كذلك كانت ستواجه هنا استراتيجية أخرى لم تألفها أيضاً، إذ هيأت قريش نفسها لحرب ميدانية مستفيدة من تجربتها في بدر، لذا فلو بقي المسلمون في المدينة ليمارسوا حرباً دفاعية لما استطاعت قريش فرض حصار طويل على المدينة ولاضطرت إلى الرجوع إلى مكة بعد انتظار يائس حول المدينة. كان رأي الرسول صلى الله عليه و سلم باختصار هو أن يبقوا في المدينة وأن يجعلوا الذراري في الآطام[33] فإن دخل عليهم القوم قاتلوهم في الأزقة ورموا من فوق البيوت.[34]

كان الرسول صلى الله عليه و سلم يروم ما يأتي من هذه الاستراتيجية:

أ- إن الحرب لم تكن هدفاً من أهداف المسلمين، فهم ممثلون للأمن وللسلام.

ب- ولكن إن رام أحد الوقوف أمام نشر الحق فيجب إزالة هذا المانع ولا يترددون في هذا الخصوص عن تقديم أي تضحية.

ج- عندما يتعرض المسلمون للهجوم فإنهم سيحاربون دفاعاً عن الدين والعرض والشرف، وإذا لزم الأمر فإنهم يقتلون ويُقتلون من أجل هذه الغاية. وهذا من حقوقهم المشروعة.

كان من الضروري إعطاء مثل هذا الانطباع ومثل هذه الصورة عن المسلمين للناس الحيارى حولهم الذين كانوا يراقبون الأحداث الجارية.

1- الشورى قبيل أُحد

كان الرسول صلى الله عليه و سلم يريد أن يحارب حرب دفاع، ثم رأى رؤيا في منامه، فقال لأصحابه: «إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً ورأيت في ذباب سيفي ثَلْم[35] ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة» وكان تأويله لهذه الرؤيا: «فأما البقر فهي ناس من أصحابي يُقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يُقتل.» كما أوّل الدرع بالمدينة، لذا رغب البقاء في المدينة. إذن، فقد نبه الله تعالى نبيه وأعطاه إشارة وإيماءة لكي تكون الحرب حرباً دفاعية، وأما الثلم فكان إشارة إلى استشهاد أسد الله حمزة رضى الله عنه.[36]

ثم كان هناك أناس لم يشتركوا في معركة بدر، فكان هؤلاء يدعون من الله أن يرزقهم الشهادة، وقد قبل الله تعالى دعاءهم. فمثلاً: كان أنس بن النضر يقول: "أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه و سلم غُيِّبتُ عنه، وإن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم لَيَراني الله ما أصنع" ويدعو من الله تحقيق حلمه هنا ويستعجل لقاء الله وهو مضرج بدماء الشهادة، كان أمثال أنس يحملون هذه الرغبة التي لا تقاوم طوال سنة كاملة ويدعون من الله تحقيق أمنياتهم في الشهادة، وما كانت مثل هذه الأدعية أن ترد من قبل الله تعالى، ولم ترد في الحقيقة.[37]

كان عبد الله بن جحش وعمرو بن جموح وسعد بن الربيع رضى الله عنه من هؤلاء الصحابة الذين ينتظرون الشهادة ويسعون إليها ويحلمون بها كل ليلة. ولا ننسى هنا الصحابية سُميراء رضى الله عنها وأبناءها. هؤلاء هم الذين رجحوا كفة الشورى إلى جانبهم في ذلك اليوم.

كان الرسول صلى الله عليه و سلم يرغب أن يتبنى المجتمع مبدأ الشورى وأن يترسخ هذا المبدأ فيه وأن يحل كل المسائل به. كان عليه أن يتصرف هكذا لكي يحس كل فرد بأن القضية قضيته فيساندها بكل جهده لأنه اشترك في مناقشتها وأبدى رأيه فيها. صحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان مؤيداً بوحي السماء، ولكنه مع هذا شاور أصحابه لكيلا يقول أحد من المسلمين فيما بعد لو أننا فعلنا كذا لكانت النتيجة كذا.. كان يتشاور مع أصحابه ويأخذ آرائهم ثم يطرح رأيه الشخصي.

ولكن المتحمسين من الشباب من الذين لم يشهدوا بدراً قالوا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير. وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ وقال حمزة رضى الله عنه: والذي أنزل عليك الكتاب لَنجادلنهم. وقال نعيم بن مالك: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة فو الذي نفسي بيده لأدخلنها.[38]

لم يكن يريد تكرار استراتيجية استعملها سابقاً في المعركة الثانية، فعلى العدو أن يجابه في كل مرة مفاجأة جديدة، غير أن الشباب كانوا مصرين على الرأى الآخر، ودخل الرسول صلى الله عليه و سلم ولبس للحرب وتقلد سيفه، وعندما رأى رجال من ذوي الرأى ذلك قالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه و سلم.. فلما خرج عليهم قالوا: "يا رسول الله! إن شئت فاقعد." ولكن لقد تم إعطاء القرار ويجب ألا يُنكص عنه لأنه:

أولاً: كان يعني إجراء ضغط على أفكار الآخرين، وهذا يعني الدخول إلى دائرة مفرغة. ثم إن الرجوع عن قرار متخذ حسب أفكار ومشاعر الأفراد ليس من شيمة أي قائد اعتيادي ويُعد خطأً كبيراً فكيف برسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فمن الطبيعي أن يتنزه الرسول صلى الله عليه و سلم عن مثل هذا الخطأ.

ثانياً: لو تم الدخول في حرب دفاعية وحدث شيء غير متوقع، أو ضرر غير منتظر لارتفعت أصوات بعض الذين عارضوا هذه الحرب، كان هذا احتمالاً وارداً على الدوام.

ثالثاً: النجاح والسمعة والغنائم التي تكتسب في أي حرب دفاعية لا يمكن قياسها بما يتم الحصول عليه من الحرب الميدانية، وكان من الممكن استغلال هذا الأمر من قبل غير الراضين. لكل هذه الأسباب وما يشابهها فقد قال الرسول صلى الله عليه و سلم: «لا ينبغي لنبي يلبس لأْمَتَهُ فيضعها حتى يحكم الله»[39] ذلك لأن الله تعالى عندما يقول له: {فإذا عزمتَ فتوكَّلْ على الله} (آل عمران: 159) إنما يأمره بأن يكون شخصا غير متردد، ثابت القرار. أجل، فأي تردد سيقذف في قلوب تابعيه الخوف والقلق والتردد، وكل تحرك جديد سيؤدي إلى تشتت الآراء ويسوق الجمهور إلى أفكار مختلفة، وهذا يؤدي إلى التحلل والتبعثر.

صحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يود البقاء في المدينة، والدخول في حرب دفاعية. ولكن عندما رجحت كفة الحرب الميدانية في أثناء إجرائه الشورى قرر تنفيذ ما استقرت عليه نتيجة المشورة، ولم يكن من المناسب الرجوع عن هذا القرار مهما كانت النتائج. فلو كلفه تثبيت أسلوب الشورى سبعين ألفاً وليس سبعين شخصاً لما تردد في سلوك هذا الطريق.

كانت معركة بدر نصراً خالصاً، وكانت معركة أُحد نصراً كنصر بدر في الأقل.

2- نحو أُحد

أصدر الرسول صلى الله عليه و سلم أمراً فورياً بالتوجه نحو أحد، سيأخذ الجنود مواضعهم في أُحد وبذلك يمنعون الأعداء من الهجوم على المدينة. وسيضعون النساء والأطفال في أماكن آمنة، فإن دخل الأعداء إلى المدينة فسيطوقون من الخلف وستشل حركتهم. صحيح أن القرار صدر آنيا ولكن كانت هناك استراتيجيات بديلة.

عندما وصلوا إلى سفوح جبل أُحد أخذوا مواضع القتال، كان عدد المسلمين يبلغ 700 رجلٍ، وكان عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول بالرغم من مشاركته في الخروج للحرب قرر الرجوع برجاله البالغ عددهم 300 شخصاً بحجة أن المسلمين لم يأخذوا برأيه،[40] كان عدد المسلمين اللابسين الدروع يبلغ المائة، وكانت الراية مع مصعب بن عمير رضى الله عنه[41] والزبير بن العَوّام رضى الله عنه على رأس الفرسان، وحمزة رضى الله عنه على رأس الرأجلين.

وضع الرماة في مكان حساس ومهم، ليمنعوا الأعداء من الالتفاف خلف المسلمين ووضع على رأسهم عبد الله بن جبير رضى الله عنه. وقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: «اِنْضَحِ[42] الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتَينَّ من قبلك.»[43]

قام الرسول صلى الله عليه و سلم بكل ما يجب القيام به. ففي هذه المرة لم يرتب جيشه على شكل صفوف بل سحبهم إلى سفوح أُحد على شكل قوس لكي يحيط بالأعداء ثم يهاجمهم بالرماة ثم يرمي وسط جيش العدو بأسود المسلمين الظامئين إلى الشهادة أمثال ابن جحش ومصعب بن عمير وأبي دجانة وأسد الأسود حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه.

كان شعار المسلمين يوم بدر هو "أحد، أحد!" أما في يوم أُحد فكان "أَمِتْ، أمت!" إن فقد تغير تكتيك المعركة وشعارها، هنا كان المسلمون يرومون المحافظة على أنفسهم في سبيل الله ورسوله أيضا مع محاولة إيقاع أقصى الإضرار بالأعداء.

تهيأوا للمعركة حسب الخطة الموضوعة، وهز رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفاً بيده قائلاً: «من يأخذه بحقه؟.» سرت موجة من الحماسة لدى المسلمين، كان كل واحد منهم يتمنى أن يأخذ السيف، ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان يعرف كل واحد منهم أفضل من نفسه، كان يفتش بعينيه عن صاحب هذا السيف، فإذا بأبي دُجانة يسأل: وما حقه يا رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم: «أن تضرب به العدو حتى ينحني.» فقال أبو دُجانة: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه.

كان أبو دُجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها، فيعلم أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها، إذن، فمن يستطيع أن يقف أمامه، وفعلاً لم يستطع أحد أن يقف أمامه. ونحن نعلم أن الحوار المذكور أعلاه جرى بين الرسول صلى الله عليه و سلم وبين أبي دجانة رضى الله عنه[44] ولكن عندما انتهت معركة أُحد نعلم أن الكثيرين من جند الحق كانوا مثل أبي دُجانة رضى الله عنه.

كان عبد الله بن جحش رضى الله عنه يدعو من الله تعالى أن ييسر له مقابلة عدو يقتله، رحماك يارب! ما هذه الرغبة الأخروية الملتهبة في قلوب هؤلاء الأبطال! أما زئير حمزة رضى الله عنه فكان يدخل الرعب حتى في قلوب الأسود.

كان إرسال فدائي الموت هؤلاء إلى صدر العدو خطة غير متوقعة من قبل قريش، فأبو سفيان الذي كان يتوقع حصول شيء شبيه بما حصل يوم بدر فوجئ بشيء جديد لم يره يوم بدر. وكانت صيحة المسلمين "أمت، أمت" يجعل المشركين يرتجفون ارتجاف من أصابه الحمى، ولأن المشركين لم يكونوا يتوقعون هذا فسرعان ما اندحروا، هذه هي الصفحة الأولى من معركة أُحد.

في هذه الصفحة الأولى كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وزع جيشه بين المدينة وجبل أُحد، أي وزع رجاله على سفوح جبل أُحد جاعلاً هذا الجبل في ظهره، ووزع الرماة في مكان مناسب قائلاً لقائدهم: «اِنْضَحِ الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتَينَّ من قبلك»

وفي رواية: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحو حتي أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم[45] فلا تبرحوا حتي أرسل إليكم.»[46] ثم أرسل أسوده إلى جيش العدو الذي سرعان ما اندحر وتقهقر.

اندحر العدو اندحاراً شنيعاً إلى درجة أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم في خيم نسائهم، واستطاع أبو دُجانة أن يصل إلى قلب جيش العدو حيث كانت هند زوجة أبي سفيان متواجدة على أساس أنه موضع مصان. شاهد أبو دُجانة شخصاً يحمس الناس تحميساً شديداً، فلما حمل عليه السيف ولول فإذا امرأة، يقول أبو دُجانة: "فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة"[47]

أدى الصحابة الدور المعهد إليهم بنجاح كبير وقاموا بواجبهم على أتم وجه فرضي الله عنهم أجمعين. وشرحت سورة آل عمران ما قام به هؤلاء من نضال وكفاح ورسمت لوحات البطولة فأعطت أمثلة عن الأنبياء السابقين والأبطال الذين أحاطوا بهم، وفي أثناء رسم هذه الصورة تقوم بإيماءات إلى الأبطال الذين أحاطوا برسول الله صلى الله عليه و سلم حيث تقول: {وكأيِّنْ من نبي قاتل معه رِبِّيُّون كثير فما وَهَنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ` وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ` فأتاهم الله ثواب الدنيا وحُسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} (آل عمران: 146-148).

هذه الآية تتحدث عن الربانيين، ولكن إن نظرنا إلى الموضوع من ناحية تكرار التاريخ لنفسه فإنها تشير إلى الذين حاربوا في أُحد، فهذه الآيات نزلت بمناسبة معركة أُحد.

3- مراحل أُحد

هناك ثلاث لوحات في أُحد.

أ- اللوحة الأولى

وهي اللوحة التي تعكس نجاح القرارات السريعة التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه و سلم، صحيح أنه تم إعطاء بعض الشهداء في هذه المرحلة، غير أن أبطال المسلمين أمثال حمزة وأبي دجانة وعبد الله بن جحش رضى الله عنه حصدوا المشركين حصداً، ونالوا نصراً واضحاً وهزموا المشركين هزيمة نكراء.

حتى أن نساء المشركين حاولن إيقاف هروب المشركين صارخات فيهم ومتوسلات ألا يهربوا، لأن الهروب لا يليق بهم، ولكن لم تجدِ هذه الصرخات في إيقاف هروب جنود مكة.

تذكر المصادر التاريخية الموثوقة بأن عدد المسلمين في هذه المعركة كان سبعمائة مقاتل بعد انسحاب المنافقين، بينما كانت قوة الأعداء تقرب من ثلاثة آلاف مقاتل، وهذا يعني أنهم كانوا أكثر من أربعة أضعاف المسلمين. أي أن كل مسلم كان عليه أن مقاتلة أكثر من أربعة من الأعداء في تلك المعركة. وكانت قريش قد جلبت معها النساء والأطفال، وكان هؤلاء يضربون الدف ويثيرون الجند.

كانت عدة جيش المشركين كاملة، ولكنهم مع كل هذا التهيؤ والاستعداد هُزموا أمام المسلمين كما هزموا يوم بدر. في هذه الأثناء وقع سهو كبير، وهو عدم رعاية الأوامر الصادرة. ونحن نطلق كلمة "زلة" على هذا التصرف، ذلك لأن أصحابها كانوا من المقربين إلى الله تعالى إلى درجة كأنهم يرونه تعالى، كانوا مؤمنين ويعيشون الإسلام بالعمق الأخروي إلى درجة قد لا نستطيع نحن تصورها، كانوا يتعبدون الله تعالى وكأنهم يرونه، ويشاهدون كل شيء بشكل مختلف عما نشاهده نحن.. ولأنهم كانوا بهذا القرب كانوا محاسبين ومؤاخذين حتى على الأفكار التي تخطر على قلوبهم وعلى عقولهم. وكانت هذه الهزة امتحاناً للمقربين. أجل، لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم موفقاً حتى في أُحد وأنا لا أعد معركة أُحد هزيمة مثلما يعدها بعض المؤرخين. وأعد كلمة "هزيمة" كلمة ثقيلة وجارحة، وأفضل أن أقول في حقها: إنها هزة حدثت في مرحلة من مراحل معركة أُحد.

بـ - اللوحة الثانية

كانت الهزيمة قد حاقت بالعدو الذي بدأ بالهرب بشكل فوضوي، وكشيء طبيعي تذكر المسلمون معركة بدر، فقد هرب العدو يومذاك أيضا مثل هذا الهرب، لذا فقد ظنوا أن الأمر قد حسم لصالحهم مثل ذلك اليوم، وأن الدور الآن هو دور جمع الغنائم. فالجمال والخيول كانت هناك تنتظرهم بعد أن هرب العدو وترك كل أمواله، ولم يكن هناك في الظاهر أي مانع من جمع هذه الغنائم، لذا فقد اشترك الرماة أيضا في جمع الغنائم، ومع أن عبد الله بن جبير رضى الله عنه ذكّرهم بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أنهم لم يفهموا المعنى الدقيق للأمر لأنهم لم يفسروا الأمر أو يفهموه على أنه يجب البقاء في أماكنهم حتى نهاية المعركة.. وها هي المعركة قد انتهت وانهزم الأعداء، كان من المحال في نظرهم أن يقوم جيش مهزوم بلم صفوفه والرجوع ثانية إلى القتال. هذه هي اللوحة الثانية لمعركة أُحد.

جـ - اللوحة الثالثة

كان ترك الرماة أماكنهم يعني إحداث ثغرة في الجبهة، وما كان هناك احتمال أن يفوت هذا الأمر عن نظر قائد عبقري مثل خالد بن الوليد، لقد سنحت له الفرصة المواتية.

كان المسلمون آنذاك قد أغمدوا سيوفهم، وانشغلوا بجمع الغنائم، كما انسحب قسم منهم لأخذ قسط من الراحة في خيامهم. انقض خالد مثل الصاعقة وقتل بضعة أنفار من الرماة الذين بقوا في أماكنهم ولم يبرحوها والتف حول المسلمين من الخلف.. أخذ المسلمون على غرة تماماً.. علماً بأنهم كانوا قد فقدوا التوتر النفسي الضروري لجو المعركة، وهذا أفاد خالداً وسهل له عمله، فاستغل هذه الفرصة وحقق هذا الهجوم المباغت.

من المفيد هنا الإشارة إلى نقطة أخرى، وهي أن المسلمين عندما توجهوا إلى أُحد توجهوا وهم يحملون شرخاً، فالرسول صلى الله عليه و سلم كان يريد البقاء في المدينة غير أنهم أصروا في الخروج، وكان هذا يشكل شيئاً سلبياً بالنسبة لهم، ثم إن الرسول صلى الله عليه و سلم أمر الرماة بالتزام أماكنهم وعدم تركها ولكنهم تركوها، وهذه كانت زلة أخرى، والقرآن الكريم يتناول هذا الموضوع فيقول عن هذه الزلل: {.. إنما استزلَّهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا} (آل عمران: 155)، أي قيل لهم في البداية أن يبقوا في المدينة فأصروا على الخروج منها، وقيل للرماة في أثناء الحرب، ابقوا في أماكنكم فلم يبقوا فيها، وتركوها لجمع الغنائم أو لمساعدة الآخرين في جمع الغنائم. فعدم استماعهم إلى النصيحة الأولى أدخل المسلمين إلى دائرة مفرغة من الأخطاء، وأدى إلى الخطأ الثاني أو الزلة الثانية، ولو لم يمنع الله تعالى دوام عمل هذه الدائرة المفرغة لتعاقبت الأخطاء، ولكنه أراهم أن رحمته سبقت غضبه، فنشر رحمته على تلك الجماعة المقربة إليه.

ثم إنهم انشغلوا بجمع الغنائم على وهم أن المعركة قد انتهت، والحقيقة أن هذا العمل قد يعد عملاً اعتيادياً ولا شائبة فيه، ولكنه يعد زلة بالنسبة للأشخاص القريبين من الله تعالى -أي المقربين- حتى أن الله تعالى نبه نبيه وحبيبه لأخذه الفدية من أسرى بدر، [48] فبكى النبي صلى الله عليه و سلم والصديق من هذ التنبيه ورآهما عمر رضى الله عنه على هذه الحال فبكى لبكائهما.[49] لم يكن هؤلاء يميلون إلى الدنيا وما كان لهم أن يميلوا. بل كان عليهم أن ينبذوها.. إن أخذ الغنائم بالنسبة لأمثالنا شيء لا غبار عليه، غير أن قيام المقربين بجمع الغنائم من ذلك الميدان المضرج بدماء الشهداء سيؤدي في المستقبل إلى إحساسهم بندم كبير، ولكن شاء الله تعالى بتأديبه العاجل لهم أن يصونهم من تلك العاقبة.

ولكن فتحت هناك ثغرة أخرى. أجل، فكل مصيبة تُنسي المصيبة السابقة، فكأن المصائب بدأت تأتي وهي تتضاعف وتتزايد، فالمصيبة الأخرى التي كانت أعظم من كل المصائب السابقة كانت حصار المشركين لرسول الله صلى الله عليه و سلم وانتشار نبأ استشهاده. وقع هذا النبأ كصاعقة أنست جميع المصائب السابقة. ولكن الله سلم إذ التف حول الرسول صلى الله عليه و سلم جدار حصين من اللحم والعظم من المسلمين الذين سمعوا صوته قبل وصول الأعداء إليه. فكم من امرأة تحمل في يدها قرب الماء أو ضماد الجرحى خرجت لسقي المسلمين ومداواة جرحاهم أسرعت لنجدة الرسول صلى الله عليه و سلم. كانت أُم عُمارة رضى الله عنها على رأس هؤلاء النسوة تسقي المسلمين وتضمد الجرحى. كان المنظر الذي رأته يجمد الدم في العروق.. كان الحصن المكون من اللحم والعظم حول الرسول صلى الله عليه و سلم يتساقط شيئا فشيئا والأيدي الخائنة تتقدم نحوه خطوة فخطوة. كان واضحاً أن من المستحيل الوصول إلى الرسول صلى الله عليه و سلم قبل أن يقطع هذا الحصن من اللحم والعظم أشلاءً وقطعاً.. كان كل سيف حاقد يسل من أجله، وكل سهم حانق يُرمى وكل رمح يُصوب نحوه، ولكن جميعها كان يصطدم بجسد مؤمن من المؤمنين المحيطين به، وجاءت لحظة لم يبق هناك ذراع لم تُبتر أو رأس لم يُقطع وبدأت جماعة من المشركين الحانقين يتقدمون نحوه، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم: «من لي بهؤلاء؟»

فرمت نسيبة رضى الله عنها ما بيدها وهرعت إليه قائلة: "أنا يا رسول الله!" أخذت مكانها في موقف الدفاع عنه وبدأت تذب عنه بسيفها ذات اليمين وذات الشمال، كانت قد أتت لمداواة الجرحى ولكن عندما اشتد الخطب انقلبت إلى لبؤة كاسرة، وبينما هي تقاتل عن الرسول صلى الله عليه و سلم رأت ابنها وقد بترت ذراعه بضربة سيف، أسرعت نحوه وربطت جرحه ثم قالت له: "اذهب فقاتل أمام رسول الله" ثم رجعت إلى مكانها، كانت تقاتل قريبة من الرسول صلى الله عليه و سلم حتى أنها تسمع همسه، ثم أصيبت بجرح غائر وعميق في ظهرها، كانت قد أرسلت ابنها للقتال وها هي تقاتل بالقرب من الرسول صلى الله عليه و سلم، فقال لها الرسول صلى الله عليه و سلم: «من يطيق ما تطيقين؟» فقالت له: "ادع الله أن يجعلني معك يا رسول الله!" فدعا الرسول صلى الله عليه و سلم ربه أن يجعلها معه في الجنة،[50] فلما سمعت بدعاء الرسول صلى الله عليه و سلم لها قالت بأنها تستطيع أن تقاتل أمامه حتى يوم القيامة.

كانت حياة هذه الصحابية سلسلة متصلة من المفاخر، فقد بايعت النبي صلى الله عليه و سلم في العَقَبة ودعته إلى المدينة، وكانت سبباً في إسلام أفراد بيتها جميعاً، وقاتلت أمام النبي صلى الله عليه و سلم في أُحد، وواجهت الموت في سبيله مواجهة الأبطال.. وعندما نزلت آية الحجاب حزنت لأنها رأت أنها لن تستطيع الاشتراك في الجهاد الفعلي بعد ذلك، وعندما ظهر الأنبياء الكذبة اشتركت في معركة اليمامة وتركت هناك ذراعها وابنها وعادت. أجل، لقد عاشت مراحل صعبة تفوق طاقة أي امرأة.[51]

كان أنس بن النضر -عم أنس بن مالك- يقاتل في أُحد ويصيح بالمسلمين الذين ظنوا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد قتل: "فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على مات عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم"[52] تمت التحشيدات الأولى هنا، حيث رد هجوم الأعداء.. انتهت الهزة، وبدأ الرسول صلى الله عليه و سلم يصدر أوامر جديدة إلى أصحابه الذين لم يفهموا سر أوامره الأولى، ويتبع استراتيجية جديدة، وهنا أمر الرسول صلى الله عليه و سلم البحث عن سعد بن الربيع، فذهب رجل من الأنصار فوجده جريحاً وبه رمق، فسأل عن حاله فقال: "أنا في الأموات، فأَبْلِغْ رسول الله صلى الله عليه و سلم سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف" وبقى الأنصاري بجانبه حتى جاد بروحه، ثم جاء النبي صلى الله عليه و سلم فبلغه حديث سعد.[53]

من الطبيعي أن الذين دعوا الله لنيل شرف الشهادة قد أجيبت دعواتهم، فقد دعا أنس بن النضر ودعا عبد الله بن جحش ودعا حمزة بن عبد المطلب، دعا هؤلاء فاستجيبت دعواتهم وطاروا إلى السماء شهداء، أما الذين بقوا ولم يسشتهدوا فقد غرقوا في لجة من الدماء.. كانت أُحد تكبي دماً.. وكان هناك بكاء من نوع آخر.. بكاء القلوب التي ظنت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قُتل.. فارت القلوب أسى وحزناً من أثر هذه الشائعة إلى درجة اهتزت منه روحهم المعنوية، وفكر بعضهم في الرجوع إلى المدينة لتهيئة وجلب مقاتلين آخرين، وكان لبعضهم آراء وخطط أخرى فأخذوا يتحركون ذات اليمين وذات الشمال.. وبينما كانوا في أوج الذهول والاضطراب إذا بهم يسمعون صوت كعب بن مالك وهو يجلجل:

"يا معشر المسلمين! أبشروا، هذا رسول الله"[54] كانت هذه الصيحة بمثابة البعث بعد الموت في يوم أُحد إذ اسرع المسلمون إليه، وهنا تم التحشد الثاني، أي حول المكان الذي كان الرسول صلى الله عليه و سلم موجوداً فيه.. هنا تكون سور آخر من اللحم والعظم، فبعضهم كانوا يحمونه بأجسادهم، وبعضهم كان يحاول إخراج حلقتي المغفر من وجنتيه، ويحاول بعضهم تجميع المسلمين هناك، ولكن الجميع كانوا يحاولون صيانة الرسول صلى الله عليه و سلم كما يصون المرء عينيه،[55] لم يكن هناك أحد لايفدي سناً واحدةً للرسول صلى الله عليه و سلم بحياته.. التفوا إذن، حوله مرة أخرى، أقسموا بأنهم لن يتركوه أبداً بعد الآن.. وأمسك الرسول صلى الله عليه و سلم والقائد الكبير بزمام الأمور بيده مرة أخرى، وليبدأ بتطبيق استراتيجية أخرى لا تؤثر فيها الأخطاء السابقة التي وقعت، لذا انسحب بهدوء مع المسلمين المحيطين به إلى خلف جبل أُحد ليهيئ هناك خطة تشكيل قوة جديدة، أي بدأ بالتخطيط للمرحلة أو اللوحة الثالثة التي ستنتهي بالنجاح.[56]

4- من الهزة إلى النصر

هذه اللوحة الثالثة كانت نصراً واضحاً.. كانت نصراً لأن العدو تراجع للوراء وطاردهم المسلمون.. والحقيقة أن أبا سفيان نوى ترتيب هجوم آخر على المسلمين إذ نوى الهجوم على المدينة، ولكن صفوان بن أمية قال له: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربو[57] وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا.[58]

إذن، فبعد ما ظهر أنه خسران للمعركة، فقد حصل الرسول صلى الله عليه و سلم على نصر واضح. وبهذا فكأن القدر كان يريد أن يلقن الصحابة الدرس التالي: إن الله تعالى وهب نبيه وحبيبه نصراً مباشراً بفضله وكرمه وعنايته، أما سيوفكم فليست سوى أسباب ظاهرية، وإلا فإن الله تعالى هوالذي ينقل رسوله من نصر إلى نصر.

هذه هي الانتصارات التي تحققت في بداية معركة أُحد ثم في نهايتها، بينما كانت هناك هزة عنيفة ولكن مؤقتة في وسطها.. ولكن الله تعالى لم يتخل عن رسوله حتى في أصعب اللحظات ولم يتركه وحيداً بل أعطاه النصر الذي وعده، والآية الكريمة التالية تتناول هذا الموضوع: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ` إذ تُصعِدون ولا تَلْوُون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماًّ بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون} (آل عمران: 152-153)، هناك مقاولة بينكم وبين الله، فالله تعالى يقول: {وأَوْفُوا بعهدي أُوفِ بعهدكم} (البقرة: 41) ولن يخل الله بهذا العهد، ولكن إن أخللتم به أخل الله أيضاً. ويقول إن الله تعالى حقق وعده في أُحد إذ كنتم تقتلون الكافرين بإذنه وبمشيئته، ولكنكم فشلتم عندما تنازعتم في الأمر وعصيتم، فبدلاً من الصبر قليلاً، فقد استعجلتم بجمع الغنائم ولم تنتظروا الأوامر. أجل، فسيد الأنبياء كان في خيمته وينتظر الوقت المناسب لإعطاء هذه الأوامر، ولكنكم استعجلتم ودخل النزاع بينكم، فكل قرار جديد سيؤدي إلى تشتت الآراء وتظهر مختلف الآراء حيث يسلك كل صاحب رأي طريقاً خاصاً به، فتنهار الوحدة والتماسك وعندما أراكم الله ما تحبون ظهر منكم العصيان، بينما لا يليق هذا بكم لأنكم من المقربين وقد يجوز للآخرين، ولكن لا يجوز لكم وأنتم موجودون حول هالة الرسالة النبوية، وتأخذون دروسكم من الرسول صلى الله عليه و سلم مباشرة وتحضرون مجالسه وتسمعون إرشاداته، وقد سبق وأن اكتسبتم رضوان الله تعالى وعندما رأيتم شيئاً مما تحبون -كان هذا عرضاً من أعراض الدنيا وغير ذي أهمية- ملتم إليه ولكن الله أخذه من أيديكم وحرمكم منه، ولو أنكم استهدفتم الآخرة لأقبلت إليكم الدنيا أيضاً، ولكنكم ملتم إلى الدنيا بوجه من الوجوه، كان عليكم أن تركزوا جهودكم لطلب الآخرة، أما الدنيا فكانت ستقبل عليكم كنتيجة طبيعية، أي لو أنكم طلبتم الآخرة لأقبلت إليكم راكضة وراءكم، ولكن لا تنسوا أن الله قد عفا وصفح عنكم.

كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أحرز ما يمكن أن نعده نصراً بعد تلك الهزة العنيفة، فقد توجه أبو سفيان وجنده سريعاً إلى مكة بعد أن ألقى النبي صلى الله عليه و سلم في قلوبهم الرعب، أما